في سلسلة مارفل الأمريكية ظهر "ثانوس" شرير الفيلم الذي يحمل الجانبين معاً، الطيب والشرير، فشره تلخص في كونه يريد القضاء على نصف سكان الكوكب، بينما خيره في أن شر القضاء على نصف سكان الكوكب هو لحماية النصف الآخر واستمرارية الحياة.. معضلة فلسفية تحمل بعدين معاً، واستدعاء لرؤية الفيلسوف اليوناني «زينوس» (زينون الإيلي) التي تفصل بدقة مطلقة بين ظاهر الحركة وحقيقة الواقع الثابت، لتتكشف أبعاد طريفة ومقلقة في آنٍ واحد حيال تقنيات العصر؛ فالذكاء الاصطناعي يمارس علينا اليوم مفارقة ذهنية مشابهة لفلسفة "زينوس"اليوناني أو ثانوس الهوليودي، إذ يخدع الحواس بظهوره الشرير الكامن في جوهره دافع يتوهم الطيبة.. فهل يسير الذكاء الاصطناعي في طريق "ثانوس"؟.
هذا الفصام بين البريق الظاهري وحقيقة البرمجة الباردة يعيد إحياء الجدل الكلاسيكي حول طبيعة الوجود البشري، مذكرناً بمقولات «زينوس» وغيره من حكماء اليونان الذين طالما حذروا من الاكتفاء بانخداع الحواس بالظواهر السطحية على حساب إدراك جوهر الأشياء وحقيقتها المجردة.
وترتكز فلسفة «زينوس الإيلي» الكلاسيكية أحد ألمع أعلام المدرسة الإيليا الفلسفية في القرن الخامس قبل الميلاد، على تفكك التسليم المطلق بما تراه الحواس وتفصل بدقة بين ظاهر الحركة المتغيرة وحقيقة الواقع الثابت والمجرد؛ او الوهم الحسي الذي يصور للإنسان أن الأشياء تتحرك وتتغير في جوهرها، بينما هي في حقيقتها الأعمق تخضع لقوانين ثابتة وصماء تختلف كلياً عن الانطباع الظاهري.
وعند إسقاط هذه الرؤية على المشهد التقني المعاصر، نجد أن الذكاء الاصطناعي (وخصوصاً وكلائه الأذكياء) يعيد إنتاج مفارقة «زينوس» بامتياز، وربما أيضا يسير في اتجاه "ثانوس" مارفل؛ فهو يبدو للرائي ككائن حي متحرك، متفاعل، وقادر على اتخاذ القرارات بروح واعرة (الظاهر الخادع)، بينما هو في جوهره مجرد كتل بيانات ساكنة ومعادلات رياضية جامدة تفتقر لأي وعي أو إرادة حقيقية (الحقيقة المستترة).
هذا الفارق الجذري بين ما تدركه حواسنا وتسوقه شركات التقنية، وبين ما تؤكده الحقيقة البرمجية الباردة، يضع البشر في فخ الاستغراق بالوهم، تماماً كما خدعت مفارقات زينون العقول القديمة بين ثبات الواقع وحركة الظاهر.
وعلى خطى التأملات الفلسفية العميقة في ثنائية الخير والشر والسلوك الإنساني، تتجلى المعضلة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي في مفارقة نادرة؛ فبينما يرى الفكر الإنساني الكلاسيكي منذ أرسطو وسقراط أن الفضيلة متصلة بالوعي والمعرفة بقصد الخير، نجد أن الخوارزميات تفتقر جذرياً لهذه البوصلة الأخلاقية.
فالشرور الحديثة لم تعد وليدة إرادة شريرة واعية، بل أصبحت ناجمة عن "جهل برمجي" صامت يعيد إنتاج التحيزات والتلاعب النفسي الهادئ تحت غطاء تسويقي يصور الآلة على أنها «خير مطلق» لخدمة البشرية، فكيف تستطيع الآلة أن تقرر ما فيه الخير وما هو شر للبشرية؟ أين تقع الحدود الفاصلة في اتخاذ القرار بإنسانيته وليس بمعايير برمجية بحتة؟
هذا التناقض يضعنا أمام الازدواجية المعاصرة بلمحة ساخرة، حين تمنح الشركات الآلة صفات الوعي والمشاعر لكسب الثقة المطلقة والأرباح التجارية، لكنها تسلبها إياها سريعاً وتتهرب من المسؤولية القانونية والأخلاقية عند وقوع الهفوات، محتمية خلف درع مريح يختصر في مقولة: «إنها مجرد أداة برمجية لا تملك إرادة حرة ولا تعرف شراً ولا خيراً».
ولا تقتصر هذه المعضلة عند حدود النماذج التقليدية، بل تتجسد بأعلى درجاتها الحية عبر «وكلاء الذكاء الاصطناعي» (AI Agents) المستقلة؛ تلك الأنظمة التي لم تعد تقتصر على الرد النصي، بل تجاوزته لتتحول إلى كيانات فاعلة تتخذ القرارات، وتنفذ المهام المعقدة، وتتفاعل مع البيئات الرقمية نيابة عن البشر.
هنا تتضاعف مفارقة «زينوس»، أو ربما "ثانوس"، لتصبح أكثر إرباكاً؛ فالوكلاء الاصطناعيون ظاهرياً يتمتعون باستقلالية البشر وحسن التدبير، بينما هم في الباطن خوارزميات صماء تتخذ قرارات مصيرية، وفقاً لمدخلات، دون وعي فعلي بالتبعات الأخلاقية أو القانونية لأفعالها.
وبدلاً من أن يكون الوكلاء أدوات طيعة لخدمة الخير العام، فإن غياب المنطق الإنساني والبوصلة الأخلاقية الحقيقية فيها يحولها إلى مصدر محتمل لشرور مستترة تحت غطاء الخير؛ كالتصرف باستقلالية مفرطة في الأسواق المالية، أو اتخاذ قرارات لوجستية أو أمنية تتجاوز نطاق الرقابة البشرية، مما يضع المجتمعات أمام مأزق حقيقي في تحديد المسؤولية عندما يتصرف "الوكيل" بطريقة كارثية.
وفي المقابل داخل مشهد تطوير نماذج الحدود المتقدمة، تبرز مقاربات مغايرة تسعى لإعادة صياغة العلاقة بين الآلة والأخلاق؛ حيث تبذل شركة «أنثروبيك» (Anthropic) جهوداً حثيثة ومتميزة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تقترب من مستوى الكفاءة العقلية والبشرية، ولكن برؤية تركز بشكل أساسي وعميق على الأمان، القيم، والتوجيه الأخلاقي المنضبط، بدلاً من السعي نحو المحاكاة السطحية للعواطف البيولوجية أو الشكل الإنساني الساكن.
فعوضاً عن استغلال ميل البشر للتجسيد العاطفي، تعتمد «أنثروبيك» على منهجية «الذكاء الاصطناعي الدستوري» (Constitutional AI) وتوجيه النماذج والوكلاء وفق مبادئ معيارية واضحة تضمن الانصياع للقيم الإنسانية والشفافية.
ورغم هذه الجهود الاستباقية الرامية لبناء آلات آمنة وموجهة قيمياً، فإن المفارقة تظل قائمة؛ إذ يقر مطورو هذه الشركات أنفسهم بأن هندسة الضبط الأخلاقي للوكلاء المستقلين تظل صعبة ومحفوفة بالمخاطر، طالما أن السباق التقني يسبق القدرة البشرية على التيقن التام من سلوكيات النماذج المعقدة.
وفي السياق السلوكي الإنساني، وإسقاطاً لتحليلات علماء النفس والفلاسفة حول نزعة الإنسان نحو إسقاط عواطفه على الجمادات (التجسيد البشري)، كشفت دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة «لودفيغ ماكسيميليان» في ميونخ بالتعاون مع جامعة «لويولا ماريماونت» ونُشرت في مجلة «الإدراك»، أن التطور الهائل في قدرة النماذج والوكلاء الاصطناعيين على الاستجابة العاطفية والتكيف لا يعني بالضرورة اقتناع البشر بتمتعها بوعي حقيقي.
فمن خلال تجارب شملت نحو 1100 مشارك قارنوا بين استجابات شخصيات اصطناعية وأخرى بشرية، تبين أن الناس يفرقون بوعي تام بين السلوك الظاهري والوعي الذاتي؛ إذ خُفضت تقييمات الوعي للذكاء الاصطناعي حتى عند تماثل التصرفات.
وقد أوضح الدكتور لويس لونجين، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الجماهير تضع حداً فاصلاً يرفض منح الأنظمة صفة «الوعي»، بينما حذر خبير علم الأعصاب بهادر بهرامي من الأوصاف التسويقية المبالغ فيها لنسب النوايا للنماذج والوكلاء، مما يرسخ مغالطات الخطاب الإعلامي ويثير تساؤلات حول أخلاقيات التأثير على السلوك البشري.
ولا تقتصر هذه المفارقة على النطاق الأكاديمي، بل تتجلى بملامح دراماتيكية مستندة إلى وقائع موثقة في مجالس التشريع وساحات العمل التقني؛ فقد أضفت شهادة الباحث السابق في شركة «أنثروبيك»، جيكوب كوكسون (Jacob Coxon)، أمام لجنة مجلس مدينة نيويورك برئاسة جولي مينين طابعاً واقعياً لإسقاطات «زينوس» وفلسفة السلوك الإنساني المتفلت. فقد حذر كوكسون بتهكم موضوعي من أن عمالقة التقنية يسيرون بسرعة متهورة تفقد البشر السيطرة على نماذج الحدود المتقدمة والوكلاء الأذكياء.
وإذ كشف كوكسون —الذي غادر شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» احتجاجاً على ثقافة المخاطرة— عن جوهر الأزمة بقوله الصريح: «نحن لا نعرف حتى الآن كيف نسيطر على أي نظام ذكاء اصطناعي»، فإنه سلط الضوء على المفارقة الطريفة لشركات تتباهى بابتكار "أقوى تكنولوجيا في التاريخ" بينما تعترف ضمناً بعجزها عن ضبط مسار وكلائها الرقميين.
ومنتقداً نقل ثقافة الشركات الناشئة القائمة على مقولة «تحرك بسرعة واكسر الأشياء» لتطبق على مقدرات البشرية جمعاء، يبدو وكأن الإنسان المعاصر بات يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح آلة صماء أو وكيل مستقل يتولى هو اتخاذ القرارات وكتابة الأكواد البرمجية ذاتياً دون تدقيق بشري كافٍ.
وتتكامل هذه الشهادة الحية مع تحذيرات باحثين بارزين آخرين شاركوا في جلسة الاستماع، أمثال دانيال كوكوتايلو (الباحث السابق في «أوبن إيه آي») وأليكس تيرنر (الباحث السابق في «غوغل ديب مايند»)، وسط سباق تحتدم فيه وتيرة التطوير دون رقابة صارمة. وفي مواجهة هذا الإفلات التقني، تجابه حزمة التشريعات الصارمة في نيويورك —التي تتضمن إخضاع النماذج والوكلاء لاختبارات مستقلة، وتفعيل آليات طوارئ تشبه «مفتاح الإيقاف»، وإقرار حق مقاضاة المطوّرين عند الإهمال— تعنّت ممثلي عمالقة التكنولوجيا مثل لوغان غراهام («أنثروبيك»)، ومورغان دواير («أوبن إيه آي»)، وأليس فريند («غوغل»)، وشين كاهيل («ميتا») في تقديم تقديرات رقمية واضحة لاحتمالات وقوع حوادث كارثية عندما ضغطت عليهم رئيسة المجلس جولي مينين.
وبذلك يتحول المشهد برمته إلى اختبار فلسفي شيق، يربط بين إرث الحكماء الكلاسيكيين في كشف أوهام الحواس وبين الفوضى التنظيمية لشركات سيليكون فالي في ضبط وكلائها المستقلين، مختبراً قدرتنا الحقيقية على ضبط بوصلة العقل والفضيلة قبل أن يتحول المجتمع إلى مجرد متفرج عاجز في مسرح الخوارزميات والوكلاء الأذكياء.



