قبل أن تصل الحوسبة الكمومية إلى عموم الناس والدول، بدأت الإمارات تتصرف وكأنها قادمة لا محالة، فيتواجد هنا حاسوب كمومي قيد التطوير، ومنصة سحابية تتيح للباحثين استخدام قدرات كمومية، وتجارب لاتصالات أكثر أمناً، وخطط وطنية لتحديث أنظمة التشفير قبل أن تصبح عرضة لحواسيب المستقبل، وبينما تضخ بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة مليارات في هذا السباق، تبني الإمارات موقعها فيه من الآن.
وإذا كان اسم «الحاسوب الكمومي» يبدو معقداً، فالفكرة الأساسية أبسط مما يوحي به، فالحاسوب التقليدي يعمل بوحدات تسمى «البت»، وتأخذ قيمة صفر أو واحد، أما الحاسوب الكمومي فيستخدم «الكيوبت»، وهي وحدة تستفيد من ظواهر في ميكانيكا الكم لتتعامل مع بعض المسائل بطريقة مختلفة تماماً تبدو عقلانية أكثر منها ميكانيكية.
وهو ليس حاسوباً أسرع في كل شيء، ولا بديلاً عن الهاتف أو الكمبيوتر المحمول، لكنه يعد مهماً في مسائل شديدة التعقيد، مثل تصميم الأدوية، ومحاكاة المواد، وتحسين شبكات الطاقة، وبعض تطبيقات التشفير والذكاء الاصطناعي.
دخول الإمارات
ودخلت الإمارات هذا المجال بصورة مبكرة على مستوى المنطقة، ففي 2021 بدأ معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي تجميع أول حاسوب كمومي في المنطقة، بالتعاون مع شركة «كيليمانجارو كوانتم تك» الإسبانية، ولتشغيل الشرائح الكمومية، استُخدمت منظومة تبريد قادرة على الوصول إلى نحو 10 ملي كلفن، وهي درجة حرارة تقترب كثيراً من الصفر المطلق.
ومنذ ذلك الوقت، لم يبق المشروع في المختبر فقط، ففي مارس 2026، ربط معهد الابتكار التكنولوجي منصته السحابية للحوسبة الكمومية بمنصة «كودا-كيو» التابعة لـ«إنفيديا»، ما يسمح للباحثين والمطورين بإرسال مهام مباشرة إلى أجهزة كمومية فعلية ومحاكيات موجودة في أبوظبي.
كما أعلن المعهد مع «إنفيديا» تنفيذ محاكاة لخوارزمية كمومية على مسائل يصل حجمها إلى 500 ألف كيوبت، مما يعني ان الإمارات تمتلك حاسوباً كمومياً يحتوي على نصف مليون كيوبت وقادر على القيام بمحاكاة رقمية لخوارزمية كمومية باستخدام حوسبة متقدمة، وهذا إنجاز عالمي بحد ذاته.
حزمة بريطانية
فبريطانيا، على سبيل المثال، أعلنت في 2026 عن حزمة تصل قيمتها إلى ملياري جنيه إسترليني لتسريع الابتكار الكمومي، وتريد أن تصبح أول دولة تنشر حواسيب كمومية على نطاق واسع بحلول أوائل الثلاثينيات، كما تقدر الحكومة البريطانية أن القطاع يمكن أن يضيف نحو 200 مليار جنيه إسترليني إلى اقتصادها بحلول 2045.
وقبل ذلك، وضعت بريطانيا استراتيجية لعشر سنوات تشمل 2.5 مليار جنيه إسترليني من التمويل الحكومي للحوسبة وتقنيات الكم ابتداءً من 2024، مع هدف جذب مليار جنيه إضافي من القطاع الخاص.
وفي 2025 أطلق الاتحاد الأوروبي «استراتيجية أوروبا للكم» بهدف الوصول إلى موقع قيادي عالمياً بحلول 2030، مع التركيز على الأبحاث والبنية التحتية والشركات الناشئة والاتصالات الآمنة والمهارات.
وفي نوفمبر من العام نفسه، خصصت المفوضية الأوروبية جزءاً من 389 مليون يورو لـ56 مشروعاً تشمل شبكات اتصالات كمومية آمنة.
وفيما تتسابق القوى الكبرى على توسيع قدراتها الكمومية، تبدو الإمارات وقد قطعت شوطاً متقدماً إقليمياً في بناء المنظومة نفسها، فالدولة انتقلت من البحث إلى التشغيل والتجريب، عبر حاسوب كمومي قيد التطوير، ومنصات وصول سحابية، واتصالات آمنة، وبرامج للاستعداد لعصر ما بعد التشفير التقليدي، وهي خطوات تضعها في موقع متقدم داخل المنطقة مع بدء تشكل اقتصاد عالمي جديد حول تقنيات الكم.
حماية البيانات
وهنا تحديداً يظهر ملف التشفير الذي يعد أحد أكثر الملفات حساسية في هذا السباق.
فالأنظمة التي تحمي البيانات البنكية والرسائل والملفات الحكومية تعتمد اليوم على مسائل رياضية يصعب على الحواسيب التقليدية حلها، فيما قد تتمكن الحواسيب الكمومية القوية مستقبلاً من إضعاف بعض هذه الحماية.
ولهذا بدأت دول عدة، ومن بينها الإمارات، الانتقال إلى تقنيات تعرف باسم «التشفير المقاوم للحوسبة الكمومية»، بهدف حماية البيانات قبل وصول تلك الحواسيب إلى المستوى الذي يجعل الخطر واقعاً عملياً.
وبدأت الإمارات بهذه الخطوة قبل وصول الحاسوب الكمومي القادر على تشكيل هذا الخطر، ففي مايو 2026، أعلن مجلس الأمن السيبراني ومجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة تعاوناً لتسريع الانتقال الوطني إلى أنظمة آمنة في عصر ما بعد الكم.
ويتضمن البرنامج أدوات تستطيع اكتشاف أنظمة التشفير المستخدمة داخل المؤسسات وتحديد ما يحتاج إلى تغيير، إلى جانب تقنيات طورها معهد الابتكار التكنولوجي.
ووصف مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة المشروع بأنه يدعم واحداً من أوائل برامج الانتقال الوطنية المنسقة عالمياً إلى أمن ما بعد الكم.
كما دخلت الإمارات مجال الاتصالات الكمومية نفسها، وتستخدم هذه التقنية خصائص فيزياء الكم للمساعدة في تبادل مفاتيح التشفير، بحيث يصبح اكتشاف محاولة اعتراض الاتصال أكثر سهولة من الناحية الفيزيائية.
سباق البينة التحتية
وهنا يتحول جزء كبير من السباق لبناء بنية تحتية آمنة قبل أن تصبح الأجهزة الكمومية قوية بما يكفي لتغيير قواعد الأمن الرقمي.
كما تربط الإمارات أيضاً هذه التقنيات بالذكاء الاصطناعي، ففي يونيو 2026 أصبح معهد الابتكار التكنولوجي شريكاً مؤسساً في معيار عالمي جديد يركز على أنظمة ذكاء اصطناعي قابلة للتحقق ومحمية بتشفير مقاوم للحوسبة الكمومية.
وفي 2022 استضافت جامعة نيويورك أبوظبي أول هاكاثون دولي للحوسبة الكمومية من نوعه في المنطقة، بمشاركة أكثر من 160 شخصاً من أكثر من 20 دولة، وبوجود جهات مثل «أمازون ويب سيرفيسز» ومعهد الابتكار التكنولوجي و«آيون كيو» وجامعات دولية.
وفي أغسطس 2026، أنشأت الدولة البرنامج الوطني للعلوم والتقنيات المتقدمة، الذي يهدف إلى ربط التعليم والبحث والتطوير وبناء الكفاءات بالصناعات الاستراتيجية والتقنيات المستقبلية، ويعد البرنامج أوسع من الحوسبة الكمومية، لكنه يأتي ضمن توجه لبناء قاعدة محلية من المتخصصين في المجالات التي تعتبرها الدولة ذات أولوية للمستقبل.
استباقية الإمارات
في سباق الذكاء الاصطناعي، عرفت الإمارات استباقياً أن الانتظار حتى تصبح التقنية تياراً عالمياً يعني البدء متأخراً، ففي 2017 عيّنت أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، قبل سنوات من موجة الانتشار الواسع التي جعلت التقنية محوراً يومياً في الحكومات والشركات.
واليوم، تبدو الفكرة نفسها حاضرة في ملف الحوسبة الكمومية، فالدولة تعمل على بناء القدرات وتأهيل الباحثين وتجهيز البنية الأمنية والتقنية قبل أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى موجة عالمية جديدة.
