يُعرف الألماس بأنه واحد من أصلب المواد الطبيعية المعروفة، لكن تجربة جديدة كشفت أن بنيته شديدة الصلابة يمكن أن تتغير بصورة مفاجئة عندما تتعرض لصدمة ميكانيكية هائلة.
فقد تمكن باحثون من إظهار تحول شبه كامل لحبيبات الألماس إلى جرافيت خلال بضعة ميكروثوانٍ، بعد تعريض مادة مركبة تحتوي على الألماس لاصطدامات بسرعات تفوق سرعة الصوت.
قاد البحث أبهيجيت بيسواس وبوليكيل إم. أجايا من جامعة رايس، بمشاركة علماء من جامعة تكساس إيه آند إم وجامعة تورنتو ومعهد كارلسروه للتكنولوجيا ومؤسسات أخرى. ونُشرت الدراسة في مجلة Materials Today، حيث بحث الفريق في كيفية استجابة الألماس للصدمات الميكانيكية الشديدة.
واجه الباحثون في البداية مشكلة أساسية وهي كيف يمكن دمج حبيبات الألماس داخل مادة صلبة من دون أن تتحول بنيتها أثناء تصنيعها؟
فالماس يمكن أن يتحول إلى الجرافيت عند تعرضه لدرجات حرارة مرتفعة، ما يجعل عمليات التلبيد التقليدية غير مناسبة. لذلك طور الفريق مادة مركبة تجمع بين حبيبات ألماس دقيقة، ونيتريد البورون المكعب (cBN)، والكوبالت.
واستخدم الباحثون تقنية التلبيد بالبلازما الشرارية لدمج هذه المكونات عند درجة حرارة بلغت 1400 درجة مئوية وضغط وصل إلى 90 ميغاباسكال. وساعدت مصفوفة نيتريد البورون المكعب والكوبالت على الحفاظ على طور الألماس خلال عملية التصنيع.
اصطدام أسرع من الصوت
بعد تجهيز المادة، أخضعها العلماء لاختبارات قاسية باستخدام مقذوفات معدنية صغيرة انطلقت بسرعات تفوق سرعة الصوت. فقد اصطدم مقذوف يبلغ قطره نحو ملليمتر واحد بسرعة 7.5 ماخ بالمادة، من دون أن يؤدي إلى انهيارها بالكامل. لكن عند استخدام مقذوف أكبر، يبلغ قطره 4 ملليمترات وينطلق بسرعة 8.45 ماخ، تعرضت المادة المركبة للكسر.
لكن المفاجأة لم تكن في الكسر نفسه، بل في ما حدث داخل المادة خلال لحظات الاصطدام. إذ وجد الباحثون أن حبيبات الألماس الموجودة في الأجزاء المكسورة تحولت بصورة شبه كاملة إلى جرافيت، في تحول سريع للغاية حدث خلال بضعة ميكروثوانٍ فقط.
لماذا يتحول الألماس إلى جرافيت؟
رغم أن الألماس والجرافيت يتكونان من العنصر نفسه، وهو الكربون، فإن ترتيب الذرات والروابط بينهما مختلف جذريًا.
في الألماس، ترتبط ذرات الكربون في بنية ثلاثية الأبعاد قوية تعتمد على روابط sp³، وهو ما يمنحه صلابته الاستثنائية. أما الجرافيت فيتكون من طبقات ترتبط فيها الذرات بطريقة مختلفة تعتمد على روابط sp²، ما يجعله أكثر ليونة.
وعندما اصطدمت المقذوفات بالمادة بسرعات هائلة، ولّدت الصدمة طاقة وضغطًا شديدين أديا إلى إعادة ترتيب الروابط الذرية، فبدأت بنية الألماس بالتحول إلى بنية الجرافيت.
واستخدم الفريق محاكاة للديناميكيات الجزيئية على المستوى الذري لفهم هذه العملية، وأظهرت النماذج كيف يمكن لذرات الكربون أن تعيد ترتيب نفسها خلال الاصطدام العنيف.
أحد أهم جوانب الاكتشاف أن تحول الألماس إلى جرافيت قد لا يكون مجرد علامة على فشل المادة. فالباحثون وجدوا أن التغير في البنية يستهلك جزءًا من الطاقة الناتجة عن الصدمة. ومع تفكك البنية الأصلية للألماس وإعادة ترتيب ذرات الكربون، يمكن أن تعمل عملية التحول نفسها كآلية لامتصاص طاقة الاصطدام.
كما رصد العلماء مناطق فاصلة بين الألماس والجرافيت المتشكل حديثًا، ما يشير إلى أن هذه الواجهات الجديدة تلعب دورًا في عملية التحول البنيوي. يفتح هذا السلوك احتمالًا مثيرًا في مجال تصميم المواد المستخدمة في البيئات القاسية.
فبدل النظر إلى التحول من الألماس إلى الجرافيت باعتباره مجرد تدهور في خصائص المادة، قد يستفيد العلماء من الطاقة التي يستهلكها هذا التحول لتطوير مواد قادرة على امتصاص الصدمات العنيفة. وقد تكون هذه الآلية مفيدة مستقبلًا في تصميم مواد واقية للتطبيقات التي تتعرض لقوى ميكانيكية شديدة، بما في ذلك بعض تقنيات الطيران والفضاء.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها جمعت بين التجارب الواقعية والمحاكاة الذرية، ما سمح للباحثين بربط ما يحدث للمادة على المستوى المرئي بالتغيرات التي تحدث داخلها بين ذرات الكربون.
