من الخارج، لا تحتاج العملية إلى أكثر من موقع يعرض خدمة واضحة: ألف متابع، عشرة آلاف مشاهدة، أو مجموعة من الإعجابات مقابل مبلغ مالي، لكن ما يحدث بعد تقديم الطلب قد يقود إلى غرف تحتوي على مئات الهواتف، أو إلى عمال يتنقلون بين عشرات الحسابات، أو إلى أنظمة آلية تدير آلاف الهويات الرقمية في وقت واحد. هذه هي البنية التي تقف خلف ما يعرف بـ«مزارع النقر».
وبحسب تقرير نشرته مجلة «ديجيت» عن كواليس هذه المزارع، تبدأ العملية عادة بإنشاء أعداد كبيرة من الحسابات غير الحقيقية وتستخدم بعض العمليات عناوين بريد إلكتروني مصطنعة ومولدات عشوائية للأسماء لإنشاء آلاف الحسابات، ثم توزع هذه الحسابات على أجهزة وهواتف مختلفة قبل استخدامها لتنفيذ الطلبات التي تصل إلى المزرعة، من الإعجاب والمتابعة إلى مشاهدة المقاطع والتفاعل معها.
ويكشف التقرير أن إحدى صور المزرعة قد تكون أقرب إلى مخزن للهواتف منها إلى مكتب تقليدي، ففي قضية كشفتها الشرطة التايلاندية عام 2017، عثرت السلطات على نحو 500 هاتف ذكي و350 ألف شريحة اتصال لدى ثلاثة مواطنين صينيين كانوا يشغلون عملية مرتبطة بتطبيق «ويتشات»، وكانت الأجهزة تستخدم لتوفير مشاهدات وإعجابات على التطبيق.
العدد الضخم من شرائح الاتصال ليس تفصيلاً ثانوياً، فالحسابات تحتاج إلى الظهور كهويات منفصلة، وبعض الخدمات تتطلب أرقام هواتف لإنشاء الحساب أو التحقق منه، لذلك تصبح الهواتف والشرائح جزءاً أساسياً من البنية المادية للمزرعة، إلى جانب الحواسيب والبرمجيات والحسابات الوهمية.
وفي المزارع التي تعتمد على البشر، يبدأ يوم العمل أمام الشاشة، فينتقل العامل يتنقل بين الحسابات والمنصات، فيما يتم تسجيل النقرات التي ينفذها، والهدف هو ألا يبدو النشاط كله صادراً من مستخدم واحد يقوم بالسلوك نفسه بصورة متكررة، ويقوم العمال بتبديل الحسابات باستمرار ولا يستخدمون المنصة نفسها بشكل متتالٍ لفترة طويلة.
ويقول «ألبرت»، وهو عامل سابق من الفلبين إنه كان يعمل 7 أيام في الأسبوع داخل إحدى هذه العمليات، وتوضح شهادته أن العمل كان شديد التكرار ومنظماً حول تنفيذ أكبر عدد ممكن من المهام الرقمية، مع قواعد يضعها المشغلون بشأن الأجهزة والحسابات المستخدمة.
وليست كل المزارع بشرية، فهناك عمليات تستخدم البرمجيات لتشغيل الحسابات، وأظهرت دراسات أكاديمية أن بعض مزارع الإعجاب تعمل بواسطة روبوتات، بينما تستخدم أخرى أساليب أكثر تعقيداً لمحاكاة نشاط المستخدم العادي.
وفي دراسة تناولت مزارع الإعجاب على «فيسبوك»، وجد الباحثون أن بعض الحسابات الوهمية كانت تنشر وتشارك محتوى آخر إلى جانب تنفيذ الإعجابات المطلوبة، بدلاً من الاكتفاء بسلسلة واضحة من النقرات المتطابقة.
وتوضح دراسة أخرى تابعت 7426 حملة على إحدى منصات العمل المصغر خلال عام كامل كيف يمكن توزيع هذه الأنشطة على آلاف الأشخاص بدلاً من جمعهم في غرفة واحدة، وضمت الحملات أكثر من 1.85 مليون مهمة صغيرة، كان 89.7% منها مرتبطاً بالترويج عبر الإنترنت، وشملت المهام إنشاء الحسابات، والتعليقات، والتصويت، والتفاعل مع المحتوى، إضافة إلى إجراءات تهدف إلى إخفاء نمط النشاط.
وبذلك قد لا تكون «المزرعة» مكاناً مادياً أصلاً، فيمكن لصاحب الخدمة أن يوزع ألف مهمة على عاملين موجودين في دول مختلفة، يحصل كل منهم على مبلغ صغير مقابل فتح رابط، أو متابعة حساب، أو الضغط على زر، ثم تجمع النتائج في طلب واحد اشتراه العميل.
أما الطرف الآخر من العملية فهو المتجر الذي يبيع هذه الخدمات، وقد وثقت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية إحدى أكبر الحالات من خلال شركة «ديفومي»، التي كانت تدير مواقع تبيع متابعين ومشاهدات وإعجابات ومشتركين مزيفين على عدد من المنصات.
ووفق اللجنة، نفذت الشركة أكثر من 58 ألف طلب لمتابعين مزيفين على تويتر، وأكثر من 32 ألف طلب لمشاهدات مزيفة على يوتيوب، إضافة إلى أكثر من 4 آلاف عملية بيع لمشتركين مزيفين على يوتيوب.
كما باعت الشركة أكثر من 800 طلب لمتابعين مزيفين على لينكدإن، وكان بين العملاء شركات تسويق وعلاقات عامة، وشركات خدمات مالية واستثمارية، إضافة إلى أفراد من مجالات مختلفة.
ولهذا تعمل مزارع النقر أقرب إلى خط إنتاج رقمي، المواد الخام هي الهواتف والشرائح والحسابات وعناوين البريد الإلكتروني، والعمل هو النقر والمشاهدة والمتابعة والتعليق، والمنتج النهائي رقم يظهر أسفل منشور أو بجوار اسم حساب.
وما يراه المستخدم في النهاية لا يكشف شيئاً عن هذه السلسلة، فيظهر أمامه رقم واحد فقط: 10 آلاف إعجاب أو 100 ألف متابع أو مليون مشاهدة، أما خلف الرقم، فقد تكون هناك مئات الهواتف، وآلاف الحسابات، وعمال يتنقلون بينها، أو برنامج ينفذ المهمة بصورة آلية.


