حوّل جسده إلى مختبر.. العالم الذي استنشق الغازات القاتلة لإنقاذ الآخرين

في زمن لم تكن فيه قواعد السلامة العلمية كما نعرفها اليوم، اختار عالم الفيزيولوجيا البريطاني جون سكوت هالدين طريقًا غير مألوف لفهم تأثير الغازات الخطرة على جسم الإنسان. فبدلًا من دراسة السموم من بعيد، كان يعرض نفسه لها مباشرة، مستنشقًا غازات قد تكون قاتلة، بهدف كشف أسرارها وإنقاذ حياة الآخرين.

ووفقًا لموقع الجمعية الملكية البريطانية (Royal Society) ومصادر علمية أخرى، عُرف جون سكوت هالدين بتجاربه الرائدة في مجال وظائف الأعضاء والتنفس، والتي تضمنت تعريض نفسه لغازات خطرة لدراسة تأثيرها على جسم الإنسان. وأسهمت أبحاثه حول أول أكسيد الكربون والاختناق في تطوير وسائل حماية عمال المناجم، كما ساعدت دراساته في مجالات الغوص والضغط الجوي على تحسين فهم تأثير البيئة المحيطة على جسم الإنسان.

وُلد هالدين عام 1860 في أسرة علمية، وأصبح لاحقًا أحد أبرز علماء وظائف الأعضاء في عصره. ركز جزءًا كبيرًا من أبحاثه على المخاطر التي تواجه عمال المناجم، خصوصًا الغازات السامة التي كانت تتسبب في كوارث مميتة داخل مناجم الفحم.

خلال دراساته، ساعد هالدين في فهم تأثير غازات مثل أول أكسيد الكربون، وطور وسائل لحماية العمال، كما ساهم في تحسين أجهزة التنفس المستخدمة في البيئات الخطرة. وكان من بين أفكاره الشهيرة استخدام حيوانات صغيرة مثل الكناري للكشف عن وجود الغازات السامة داخل المناجم، إذ كانت تظهر عليها علامات الخطر قبل البشر.

لكن أسلوبه في البحث كان صادمًا حتى بمعايير عصره. فقد كان يجري تجارب على نفسه داخل غرف مغلقة، يستنشق خلالها غازات مختلفة ويسجل تأثيرها على جسده، محاولًا معرفة الحدود التي يمكن للإنسان تحملها وكيف يتفاعل الدم مع هذه المواد الخطرة.

لم تقتصر تجاربه على الغازات الصناعية، بل درس أيضًا تأثير تغير الضغط ونقص الأكسجين على الجسم، وهي أبحاث ساعدت لاحقًا في تطوير علوم الغوص والارتفاعات العالية. وخلال الحرب العالمية الأولى، ساهمت خبرته في تطوير أقنعة غاز ساعدت الجنود على مواجهة الأسلحة الكيميائية.

ورغم أن بعض أساليبه تبدو اليوم خطيرة وغير مقبولة وفق معايير البحث الحديثة، فإن تجاربه ساعدت في وضع أسس مهمة لفهم تأثير الغازات السامة وطرق حماية البشر منها.

ورغم تجاربه الخطرة التي عرّض خلالها نفسه لغازات سامة بهدف فهم تأثيرها على جسم الإنسان، لم تكن هذه التجارب سبب وفاته. فقد توفي هالدين عام 1936 عن عمر 75 عامًا بعد إصابته بالسرطان، تاركًا وراءه إرثًا علميًا كبيرًا في مجالات التنفس، وسلامة المناجم، والطب البيئي.