في اختراق علمي يبدو أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، نجح فريق من الباحثين في تطوير نوع جديد من البلاستيك “القابل للبرمجة”، يمكنه أن يدمر نفسه بالكامل عند الطلب، في خطوة قد تعيد رسم مستقبل المواد الصناعية وتفتح بابًا جديًا لحل أزمة التلوث البلاستيكي العالمية.
هذا البلاستيك المبتكر لا يعتمد على الطرق التقليدية للتحلل، بل يحتوي داخله على أبواغ بكتيرية خاملة (spores) تبقى “نائمة” طوال فترة الاستخدام، وعند تعريض المادة لظروف محددة مثل الرطوبة أو إضافة محفّز كيميائي، تستيقظ هذه الكائنات الدقيقة وتبدأ بإنتاج إنزيمات قادرة على تفكيك سلاسل البوليمر البلاستيكي بشكل كامل.
وبحسب دراسة جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، يعتمد النظام على إنزيمين رئيسيين يعملان بتكامل دقيق، فالإنزيم الأول يجزئ السلاسل الطويلة للبلاستيك إلى وحدات أصغر، أما الإنزيم الثاني فهو يُكمل العملية عبر تحويل هذه الوحدات إلى مركبات بسيطة قابلة للتحلل الحيوي، ما يمنع تكّون الميكروبلاستيك الذي يمثل أحد أخطر أشكال التلوث الحديثة.
من قرون… إلى أيام فقط
في حين يستغرق البلاستيك التقليدي مئات السنين ليتحلل في البيئة، أظهرت التجارب أن هذا البلاستيك الجديد يمكن أن يتحلل بالكامل خلال أقل من أسبوع عند تفعيل آلية “التدمير الذاتي”.
المثير للاهتمام أن المادة تحتفظ بمتانتها وخصائصها الصناعية طوال فترة الاستخدام، ولا تبدأ عملية التحلل إلا عند إعطاء “الإشارة” المناسبة، مما يعني أن المنتج لن يتلف قبل أوانه، وهو أحد أكبر التحديات التي واجهت محاولات تطوير بلاستيك صديق للبيئة في السابق.
حل جذري لمشكلة عالمية؟
تنتج البشرية أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك سنويًا، ينتهي جزء كبير منها في المحيطات أو مكبات النفايات، حيث يتفتت إلى جزيئات دقيقة تدخل في السلسلة الغذائية وتهدد صحة الإنسان والكائنات الحية.
هنا تكمن أهمية هذا الابتكار: بدلًا من التعامل مع النفايات بعد إنتاجها، يتم تصميم المادة منذ البداية بحيث “تعرف متى تنتهي مهمتها”.
هذا التحول من “إدارة النفايات” إلى “تصميم النهاية” قد يمثل نقلة نوعية في الاقتصاد الدائري.
تطبيقات محتملة… من التغليف إلى الطب
يرى الباحثون أن هذا النوع من البلاستيك يمكن استخدامه في مواد التغليف أحادية الاستخدام، والأدوات الطبية القابلة للتحلل داخل الجسم، والإلكترونيات المؤقتة، وحتى في الصناعات العسكرية والفضائية حيث تكون الحاجة لمواد تختفي بعد أداء وظيفتها. وحتى في الصناعات العسكرية والفضائية حيث تكون الحاجة لمواد تختفي بعد أداء وظيفتها.
كما يمكن تعديل سرعة التحلل عبر التحكم في تركيبة الأبواغ والإنزيمات، ما يمنح المصنعين مرونة غير مسبوقة في تصميم دورة حياة المنتج.
هل هو الحل النهائي؟
رغم الحماس الكبير، لا تزال هناك تحديات أمام التطبيق التجاري، مثل تكلفة الإنتاج، وضمان الاستقرار طويل الأمد، والتأكد من أمان استخدام الكائنات الدقيقة في جميع البيئات.
ومع ذلك، يتفق الخبراء على أن هذه التقنية تمثل خطوة جريئة نحو جيل جديد من “المواد الذكية”، مواد لا تكتفي بخدمة الإنسان، بل تعرف أيضًا متى تختفي.
