قبل أن تصبح "روبلوكس" عالماً رقمياً يضم مئات الملايين، كانت مجرد فكرة بسيطة لدى شابين، ديفيد بازوكي وإريك كاسيل، أطلقاها عام 2006 كلعبة تتيح للمستخدمين بناء عوالمهم الخاصة، لم يكن الهدف آنذاك أكثر من تجربة ترفيهية تفاعلية، ولم يتوقع مؤسسوها أن تتحول هذه اللعبة إلى ظاهرة عالمية، لكن ما حدث لاحقاً تجاوز كل التوقعات؛ إذ نمت "روبلوكس" لتتحول من لعبة إلى مجتمع رقمي ضخم، بل إلى واحدة من أكبر مساحات التفاعل الاجتماعي في العالم اليوم، منصة لا يكتفي المستخدمون بالدخول إليها للعب، بل للعيش والتواصل وبناء علاقات داخلها.
لم تعد "روبلوكس" مجرد منصة ألعاب رقمية، بل أصبحت، بالنسبة إلى ملايين المستخدمين حول العالم، مساحة تواصل اجتماعي متكاملة تُمارس فيها أنماط التفاعل نفسها التي نراها في منصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك"، وربما بشكل أعمق وأكثر اندماجاً، فالمستخدم لا يدخل إلى "روبلوكس" فقط للعب، بل ليعيش تجربة اجتماعية يومية، يتواصل فيها مع الآخرين، ويكوّن صداقات، ويشارك في أنشطة جماعية داخل عوالم افتراضية.
وتؤكد الأرقام هذا التحول، إذ تضم المنصة نحو 380 مليون مستخدم شهرياً وأكثر من 150 مليون مستخدم يومي، وفق بيانات نشرتها منصة التحليلات الرقمية "Analytics Insight"، هذا الحضور الكثيف لا يعكس مجرد شعبية لعبة، بل يشير إلى وجود مجتمع رقمي واسع يتفاعل بشكل مستمر، ما يضع "روبلوكس" ضمن أكبر المنصات الاجتماعية من حيث حجم الاستخدام والتفاعل.
كما يوضح تقرير لموقع”PC Gamer” ، المتخصص في صناعة الألعاب، أن المستخدمين يقضون أكثر من 10 مليارات ساعة شهرياً داخل "روبلوكس"، وهو ما يعكس مستوى اندماج يتجاوز مفهوم اللعب التقليدي إلى نمط حياة رقمي قائم بذاته.
تفاعل حي… كل ما تفعله في "السوشيال ميديا" موجود هنا
ما يجعل "روبلوكس" أقرب إلى منصة تواصل اجتماعي هو طبيعة الأنشطة التي تجري داخلها، فالمستخدمون يتحدثون عبر الدردشة النصية والصوتية، ينضمون إلى مجموعات، يحضرون فعاليات، ويشاركون في تجارب جماعية في الوقت نفسه، هذه الأنشطة تحاكي بشكل مباشر وظائف "السوشيال ميديا"، لكنها تضيف بُعداً غامراً، حيث لا يكتفي المستخدم بالتواصل، بل يعيش التجربة مع الآخرين داخل بيئة ثلاثية الأبعاد.
وفي هذا السياق، تشير بيانات نشرها موقع "TechPoint Africa”، المتخصص في تحليل الاقتصاد الرقمي، إلى أن المستخدم يقضي في المتوسط نحو2.7 ساعة يومياً داخل المنصة، وهو معدل يضع "روبلوكس" في مصاف منصات التواصل من حيث الزمن والتفاعل، لا من حيث الشكل فقط.
كما لم تعد المنصة مقتصرة على الترفيه، بل أصبحت مساحة لرفع الوعي المجتمعي أيضاً، كما هو الحال في مواقع التواصل الاجتماعي التقليدية، إذ تنتشر داخلها تجارب تحاكي مستشفيات افتراضية وحملات توعوية، سواء في مجالات الصحة أو القضايا الاجتماعية، ما يعكس توجهاً لاستخدام البيئة الرقمية في التعليم والتثقيف، إلى جانب الترفيه.
هوية عربية في عالم افتراضي
وتتجلى الطبيعة الاجتماعية للمنصة بشكل أوضح في المجتمعات التي يبنيها المستخدمون داخلها، خصوصاً في العالم العربي، فقد أصبحت "روبلوكس" مساحة رقمية تعكس الثقافة المحلية وتعيد تقديمها بطريقة تفاعلية، إذ يمكن للمستخدمين الدخول إلى عوالم تحاكي المساجد وأجواء الصلاة، أو استكشاف نماذج افتراضية مستوحاة من مكة المكرمة والحرم، حيث يعيش المستخدم تجربة جماعية ذات طابع ديني واجتماعي.
كما تظهر ملامح الحياة الخليجية بوضوح في تجارب تحاكي المجالس الإماراتية، حيث يجتمع اللاعبون في بيئة افتراضية تمثل المجلس، ويتفاعلون من خلال تقديم القهوة العربية وتبادل الحديث، في تجربة رقمية تنقل مفاهيم السنع والتقاليد الاجتماعية إلى جيل جديد بأسلوب تفاعلي.
وتنتشر أيضاً ألعاب تحاكي الحياة الأسرية، حيث يتقمص المستخدمون أدواراً داخل عائلة افتراضية، ما يعزز الروابط الاجتماعية داخل المنصة.
ولا يقتصر الحضور العربي على الأنشطة، بل يمتد إلى التفاصيل اليومية داخل "روبلوكس"، من الأزياء التقليدية كالعباية والكندورة الإماراتية، إلى الأطعمة المحلية مثل المجبوس والقهوة العربية، وحتى استخدام اللهجات العربية في التفاعل اليومي، هذا الحضور يخلق نوعاً من التلاحم المجتمعي الرقمي، حيث تصبح المنصة مساحة للتعبير عن الهوية والانتماء، وليس مجرد بيئة للترفيه
مجتمع يصنعه المستخدمون
ومن زاوية أخرى، تعتمد "روبلوكس" على محتوى يصنعه المستخدمون أنفسهم، ما يعزز طابعها الاجتماعي، إذ تضم المنصة ملايين المطورين الذين ينشئون تجارب وألعاباً يتفاعل معها الآخرون، وتشير بيانات موقع "Priori Data"، المتخصص في الإحصاءات الرقمية إلى وجود عشرات الملايين من التجارب داخل المنصة، هذا النموذج يجعل المستخدم شريكاً في بناء المجتمع، وليس مجرد متلقٍ للمحتوى، وهو أحد أهم سمات منصات التواصل الحديثة.
تحديات التفاعل… الوجه الآخر للمنصة
في المقابل، تطرح هذه الطبيعة الاجتماعية تحديات موازية، خصوصاً مع وجود نسبة كبيرة من المستخدمين من فئة الشباب، إذ تشير بيانات موقع “Backlinko”، وهو موقع متخصص في تحليل بيانات الإنترنت والتسويق الرقمي، إلى أن أكثر من نصف مستخدمي “روبلوكس” دون 16 عاماً، ما يثير تساؤلات حول طبيعة التفاعل داخل هذه المجتمعات الرقمية.
وقد حذّرت تقارير إعلامية، منها تقرير لصحيفة “The Guardian” البريطانية، من أن المخاطر المرتبطة بتواصل الأطفال داخل المنصة “مقلقة للغاية”، خاصة فيما يتعلق بالتعرض لمضايقات أو تواصل غير مناسب.
كما شهدت المنصة حالات واقعية أثارت جدلاً، إذ ذكرت صحيفة “New York Post” في تقرير إخباري عن دعاوى قضائية في الولايات المتحدة أن بعض القضايا تضمنت اتهامات تتعلق باستدراج قاصرين عبر المنصة، ما دفع جهات تنظيمية إلى المطالبة بتشديد الرقابة.
وفي جانب آخر، تبرز ظاهرة ما يُعرف بـ”Brain rot” أو التدهور المعرفي المرتبط بالاستخدام الرقمي المكثف، حيث يقضي الأطفال ساعات طويلة في بيئات سريعة الإيقاع تعتمد على التحفيز اللحظي، ويرى مختصون أن هذا النمط قد يؤثر في مستويات التركيز ويضعف القيم والسلوكيات الاجتماعية إذا غابت المتابعة الأسرية، خاصة في منصات غامرة مثل “روبلوكس” التي تمزج بين اللعب والتفاعل الاجتماعي بشكل مستمر.
كما تثير المنصة مخاوف تتعلق بالمحتوى غير المنضبط، إذ إن اعتمادها الكبير على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون قد يؤدي إلى ظهور تجارب تتضمن مشاهد غير مناسبة أو رسائل لا تتوافق مع القيم المجتمعية، خاصة مع صعوبة مراقبة هذا الكم الهائل من المحتوى بشكل لحظي.
استجابة لهذه التحديات، طورت “روبلوكس” أدوات حماية تشمل التحقق من العمر، وأنظمة رقابة أبوية، وتقييد الدردشة حسب الفئات العمرية، كما اتجهت بعض الدول إلى تشديد القيود على خاصية الدردشة بعد تسجيل حالات تحرش أو إساءة استخدام، في محاولة لحماية المستخدمين، خصوصاً الأطفال.
وفي هذا السياق، تبذل دولة الإمارات جهوداً متقدمة لتعزيز البيئة الرقمية الآمنة، حيث تعمل الجهات المختصة على رفع مستوى الوعي الرقمي لدى الأطفال وأولياء الأمور، من خلال حملات توعوية وبرامج تعليمية تركز على الاستخدام الآمن للإنترنت والألعاب التفاعلية، كما تطبق الدولة أطر تنظيمية وتشريعية تهدف إلى حماية المستخدمين، خاصة القُصّر، وتشجع على استخدام أدوات الرقابة الأبوية ومتابعة السلوك الرقمي للأبناء.
كما تسهم مبادرات مثل تعزيز الثقافة الرقمية في المدارس، وتوعية المجتمع بمخاطر الخصوصية والتفاعل المفتوح، في الحد من التأثيرات السلبية لمثل هذه المنصات، مع التأكيد على أهمية التوازن بين الاستفادة من الفرص الرقمية والحفاظ على القيم المجتمعية.
في المقابل، يرى المستخدمون أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في تعزيز الوعي الرقمي، خاصة في ظل تطور أدوات الإبلاغ والحظر داخل المنصة، ويؤكدون أن دور الأسرة يظل محورياً في توجيه الأطفال ومتابعة استخدامهم، خصوصاً مع ارتفاع مستويات المعرفة الرقمية لدى الأجيال الجديدة.
ما بين الترفيه والتواصل… مستقبل "السوشيال ميديا"
في المحصلة، تكشف تجربة "روبلوكس" عن تحول أعمق في مفهوم التواصل الرقمي، فالمسألة لم تعد تتعلق بنشر صورة أو كتابة تعليق، بل بالوجود داخل مساحة مشتركة تُعاش فيها التجارب بشكل جماعي، ويبقى التحدي الحقيقي في كيفية إدارة هذا العالم الرقمي المتسارع، بما يوازن بين الفرص التي يتيحها، والمسؤوليات التي يفرضها.
وبين اللعب والتواصل، تفرض "روبلوكس" نفسها كنموذج جديد من "السوشيال ميديا"... نموذج لا يُقرأ ولا يُشاهد فقط، بل يُعاش.