من صورة القمر للشحن الـ120 وات.. في عالم الموبايلات الأرقام لا تكذب ولكن تتجمل


من صور القمر إلى شواحن الـ120 واط وحساسات «الإنش الواحد».. كثير من الأرقام التي تتصدر إعلانات الهواتف تقنياً أو اسميا ‏ربما تكون صحيحة، لكنها على أرض الواقع لا تعني دائماً ما يظنه المستهلك.‏

في صناعة التكنولوجيا، لا تحتاج الشركة بالضرورة إلى تقديم معلومة خاطئة كي تصنع انطباعاً مضللاً، يكفي أحياناً اختيار أكبر رقم ‏ممكن، أو أفضل نتيجة تحققت في ظروف محددة، لتضعها في واجهة حملتها التسويقية، بينما تنتقل القيود والشروط إلى الهامش.‏

وهكذا أصبح سباق الهواتف الذكية، على نحو متزايد، سباقاً على الأرقام: 200 ميغابكسل، 100 ضعف للتقريب البصري، 120 واط ‏للشحن، آلاف وحدات السطوع، وذاكرة عشوائية تصل إلى 24 غيغابايت.‏

هل تلك الأرقام والحملات التسويقية كذب غير حقيقي؟ هي ليست كذلك ولكنها ليست حقيقة على الإطلاق، وربما تكون صور القمر ‏التي تنتجها بعض الهواتف الحديثة المثال الأشهر على الحدود الجديدة بين التصوير والمعالجة الحاسوبية.‏

توضح سامسونغ نفسها أن ميزة ‏SCENE OPTIMIZER‏ تتعرف على القمر باستخدام نموذج للذكاء الاصطناعي، ثم تجمع أكثر ‏من صورة وتطبق معالجة متعددة الإطارات، قبل استخدام محرك قائم على التعلم العميق لتحسين التفاصيل وتقليل الضوضاء، وما ذلك ‏إلا كثير من الكلام التقني الذي يعني في آخره أن الصورة أغلبها مولد بالذكاء الاصطناعي، الذي استكمل التفاصيل وصنع صورة تبدو ‏حقيقية، ولكنها ليست حقيية، وإنما فقط مقاربة للحقيقية.‏

الجدل انفجر في 2023 بعد تجربة عُرضت فيها على الهاتف صورة منخفضة الدقة ومموهة للقمر، ثم التقطها الهاتف من شاشة ‏كمبيوتر. النتيجة تضمنت تفاصيل أكثر وضوحاً من المعلومات الموجودة في الصورة الأصلية، ما أثار سؤالاً حول الحد الفاصل بين ‏‏«تحسين» الصورة وإعادة بناء تفاصيلها حسابياً.‏

وتناولت ‏THE VERGE‏ التجربة، مشيرة إلى أن المعالجة لا تقتصر على مجرد زيادة حدة البكسلات، فيما أكدت سامسونغ أن ‏نظامها لا يضع صورة جاهزة للقمر فوق اللقطة وإنما يستخدم نموذجاً للتعرف والتحسين.‏

والقضية ليست سامسونغ. فالتصوير بالهواتف أصبح يعتمد على دمج عدة تعريضات ومعالجة نواقص الصور بالذكاء الاصطناعي ‏وإعادة بناء التفاصيل.‏

الأصل في التقاط الصور هو سقوط الضوء ببياناته وتفاصيله على حساس الكاميرا عابرا للعدسة المقربة، التي كي تطال القمر قد ‏يكون حجمها فوق المتر ووزنها عدة كيلو جرامات، وبالتالي فأي صورة تصدر عن عدسة في حجم حبة الحمص وعليها زجاج لا ‏يتجاوز الـ5 مليمترات يستحيل أن تلتقط صورة حقيقية للقمر.‏

وفي تقرير نشرته ‏BBC‏ في فبراير 2026، ناقش متخصصون كيف أصبحت كاميرات الهواتف لا تسجل الضوء فقط، بل تتنبأ أحياناً ‏بالشكل الذي يفترض أن تبدو عليه الصورة بعد المعالجة.‏

المشكلة التسويقية تبدأ عندما يرى المستهلك صورة مذهلة عند تقريب 100 مرة، فيفترض أن العدسات نفسها التقطت كل تلك ‏المعلومات، وهو افتراض غير دقيق اعتمدت عليه الشركات المصنعة للأجهزة للإيهام كحيلة تسويقية.‏

سامسونغ، على سبيل المثال، توضح في مواصفاتها أن مستويات بعيدة مثل 100‏X‏ هي تقريب رقمي مدعوم بالمعالجة، وليست تقريباً ‏بصرياً 100 مرة.‏

حساس «1 إنش»‏

الأمر لا يقتصر فقط على خدعة الـ100 إكس زوم، فأحد أكثر المصطلحات إرباكاً في عالم الكاميرات هو حساس 1 إنش..

الاسم يدفع المستهلك بصورة شبه تلقائية إلى الاعتقاد بأن قطر الحساس يبلغ بوصة واحدة، أي 25.4 ملم، وهو في عالم حساسات ‏الكاميرات حجم كبير يجعل الكاميرا تلتقط عمقاً وصوراً احترافية، لكن واقع الأمر هو اسمه 1 إنش، وهو ليس بهذا الحجم فعلياً.‏

موقع ‏"دي بي ريفيو" المتخصص في التصوير وصف نظام التسمية بأنه «مضلل بطبيعته»، موضحاً أنه يعود إلى أنابيب تصوير ‏قديمة من عصر كاميرات الفيديو، حيث كان الرقم يشير إلى حجم أنبوب ‏VIDICON‏ الذي كان يمكن أن يحتوي على سطح التصوير، ‏وليس إلى أبعاد الحساس نفسه.‏

ولهذا لا يوجد ضلع في حساس يسمى 1 إنش يبلغ بوصة كاملة، وتبلغ الأبعاد الشائعة لفئة نحو 13×9 ملم تقريباً، مع اختلافها بحسب ‏نسبة أبعاد الحساس.‏

ولهذا قررت ‏"دي بي ريفيو"‏ ومواقع تصوير أخرى التخلي تدريجياً عن استخدام «البوصة» بالطريقة التقليدية والتركيز على الأبعاد ‏الفعلية والمساحة.‏

الأمر ليس بالضرورة خدعة اخترعتها شركات الهواتف؛ إنه اصطلاح صناعي عمره عقود، خدم توجه شركات التكنولوجيا في ‏التسويق فاستخدموها للترويج لمنتجاتهم، لكن استخدام كلمة «1 إنش» في الحملات الإعلانية دون تفسيرها يمنح المستهلك تصوراً ‏بصرياً أكبر بكثير من الواقع.‏

‎120‎‏ واط.. رقم لا يستمر إلا قليلاً

الأمر نفسه يظهر بوضوح أكبر في سباق الشحن السريع، فعندما تكتب شركة على العلبة 120 وات، قد يبدو الأمر كما لو أن الهاتف ‏يشحن بقدرة 120 واط منذ توصيله حتى وصول البطارية إلى 100‏‎%‎‏.‏

عملياً، منحنى الشحن لا يعمل بهذه الطريقة، البطارية تصل إلى قدرتها القصوى عادة خلال جزء محدود من دورة الشحن، ثم يبدأ ‏النظام في تقليل الطاقة مع ارتفاع الحرارة ونسبة امتلاء البطارية. وتوضح اختبارات "أندرويد أوثورتي"  أن عدداً من ‏الهواتف لا يحتفظ بأقصى قدرة معلنة سوى لدقائق، وأحياناً لأقل من دقيقة.‏

والأرقام تكشف الفارق، في اختبار ‏XIAOMI MI 10 ULTRA، الذي كان يسوق للشحن بقدرة 120 واط، سجل ‏"أندرويد أوثورتي" نحو ‏‎92.3‎‏ واط من المقبس في البداية، ثم نحو ‏‎86.4‎‏ واط خلال جزء كبير من العملية، بينما وصلت القدرة الفعلية ‏المقاسة عند الهاتف إلى نحو ‏‎80.1‎‏ واط.‏

والأكثر إثارة أن شحن الجهاز عند 50 واط احتاج نحو 29 دقيقة للوصول إلى الامتلاء، مقابل 21 دقيقة تقريباً عند القدرة الأعلى؛ أي ‏أن رفع القدرة بعشرات الواطات اختصر ثماني دقائق فقط، ولو كانت البطارية تحصل على كم الطاقة المذكورة على العلبة بالكامل، ‏لاتسع الفارق كثيراً في سرعة امتلاء البطارية، كما لوحظ ارتفاع أكبر في درجة حرارة البطارية عند اختبار القدرة الأعلى إلى نحو ‏‏43.8 درجة مئوية، الأمر الذي يضطر الشرائح الذكية لتقليل سرعة تدفق الطاقة للتحكم في الحرارة ومنعاً للانفجار. ‏

ولا يعني ذلك أن الشحن فائق السرعة بلا فائدة. لكنه يعني أن ‏‎120‎‏ واط ليست سرعة ثابتة، الأمر عززته اختبارات أحدث على هاتف ‏XIAOMI 15 ULTRA، على سبيل المثال، معلن رسمياً بشحن 90 واط، بينما سجل اختبار ‏"أندرويد أوثورتي" ‏ذروة بلغت 71.2 واط ومتوسطاً بلغ 25.8 واط خلال فترة القياس، مع وصول الحرارة الداخلية القصوى إلى 39.9 درجة.‏

لهذا قد يكون السؤال الأكثر فائدة للمشتري ليس «كم واط؟»، وإنما: كم دقيقة يحتاج الهاتف من 10% إلى 50%؟ وكم يحتاج إلى ‏الشحن الكامل؟ وما متوسط القدرة ودرجة الحرارة أثناء العملية؟

سطوع قد لا تراه على الشاشة كاملة

شاشات الهواتف دخلت اللعبة نفسها، فتجد دعايات أجهزة ‏‎4000‎‏ نيتس، و4500 نيت، وربما أرقام أعلى، وهي مقياس لدرجة ‏السطوح لا يتحقق في الأجهزة، أو نادراً ما يتحقق.‏

لكن مصطلح ‏PEAK BRIGHTNESS‏ أو «ذروة السطوع» لا يعني بالضرورة أن الشاشة بأكملها تستطيع العمل بهذا السطوع ‏خلال الاستخدام العادي.‏

قد يتحقق الرقم في منطقة صغيرة من الشاشة، ولفترة محدودة، ومع محتوى ‏HDR‏ أو شروط اختبار محددة، شروط ربما لا يراها ‏المستخدم العادي في عمره من الاستخدام للهاتف المحمول.‏

"أندرويد أوثورتي" يعتبر «ذروة السطوع» وحدها من المواصفات التي يمكن أن يساء تفسيرها، مشيراً إلى أن الأرقام ‏القصوى قد تشير إلى سطوع لحظي في جزء محدود من الشاشة، بينما يكون مستوى السطوع المستمر مختلفاً بدرجة كبيرة.‏

والاختبارات العملية تشرح الفارق، فشركة ‏VIVO، على سبيل المثال، أعلنت ذروة ‏HDR‏ تبلغ 4500 نيت لشاشة ‏X300‎ ‎ ‎‏، وسجل نحو 4072 نيت في سيناريو الذروة، لكن الاختبار الأكثر واقعية بنمط ‏APL18‎‏ سجل نحو 2386 نيت، بينما بلغ ‏متوسط السطوع في اختبار الشاشة الكامل نحو 1523 نيت.‏

كل هذه الأرقام صحيحة في سياقها، لكنها ليست الرقم نفسه.‏

خدعة الـ‎200‎‏ ميغابكسل

أرقام الكاميرات مثال آخر على الطريقة التي يمكن بها للرقم الأكبر أن يختزل تقنية أكثر تعقيداً، فحساس بدقة 200 ميغابكسل يحتوي ‏بالفعل على نحو 200 مليون موقع ضوئي. لكن هذا لا يعني أن الهاتف ينتج صورة 200 ميغابكسل في كل مرة يضغط فيها المستخدم ‏زر التصوير.‏

سامسونغ، وهي من أبرز منتجي هذه الحساسات، توضح أن تقنيتها يمكن أن تجمع ‏‎16‎‏ بكسلاً في بكسل واحد في الإضاءة المنخفضة، ‏ما يجعل حساس 200 ميغابكسل ينتج صورة افتراضية بدقة 12.5 ميغابكسل، مع إمكانية التحول إلى 50 أو 200 ميغابكسل عندما ‏تسمح الظروف بذلك.‏

وهذه ليست خدعة تقنية؛ ‏PIXEL BINNING‏ تقنية مفيدة للغاية لأنها تحسن حساسية الضوء في حساس صغير الحجم، الخدعة ‏التسويقية هي اختزال جودة الكاميرا كلها في الرقم 200.‏

فجودة الصورة تعتمد كذلك على مساحة الحساس، وحجم البكسل نفسه، وجودة العدسة، والمدى الديناميكي، ونظام التركيز، والمعالجة ‏الحاسوبية وغيرها.‏

بعبارة أخرى: 200 ميغابكسل تخبرك بعدد البكسلات التي يستطيع الحساس تسجيلها في وضع معين، وليس بمدى جودة الصورة التي ‏ستحصل عليها.‏

يصل إلى

من أحدث ألعاب الأرقام إضافة مساحة التخزين إلى الذاكرة الفعلية ثم تقديم الرقم الإجمالي للمستهلك، قد يأتي الهاتف مثلاً بذاكرة ‏RAM‏ فعلية سعتها 12 غيغابايت، ثم يسمح النظام باستخدام 12 غيغابايت أخرى من وحدة التخزين باعتبارها «ذاكرة افتراضية»، ‏ليظهر رقم 24 غيغابايت.‏

لكن النوعين ليسا متساويين لا في السرعة ولا الوظيفة ولا الأداء، الذاكرة الافتراضية تعتمد على نقل بعض البيانات إلى التخزين ‏الداخلي، وهو أبطأ من ذاكرة ‏LPDDR‏ الفعلية. ‏

وتقول "أندرويد أوثورتي" إن هذه الخاصية قد تساعد في إبقاء مزيد من التطبيقات في الخلفية، لكنها لا تمنح مكسباً مماثلاً في الألعاب ‏أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولا تمثل بديلاً مباشراً لذاكرة ‏RAM‏ الحقيقية.‏

المشكلة ليست في وجود الميزة، وإنما في كتابة الرقمين بالطريقة التي تجعل 12 غيغابايت من ‏RAM‏ الحقيقية تبدو مكافئة لـ12 ‏غيغابايت مستقطعة من التخزين، وهما بكل تأكيد ليستا الشيء نفسه.‏

الأمر يصبح أكثر حساسية عندما لا يتعلق بطريقة كتابة المواصفة، وإنما بالطريقة التي يتصرف بها الجهاز أثناء الاختبار نفسه.‏

في أبريل 2026، أعلنت "يو إس سوليوشن"، الشركة المطورة لاختبار 3‏DMARK، حذف هاتفي ‏REDMAGIC 11 PRO‏ ‏و11 ‏PRO+‎‏ من تصنيفاتها بعد أن وجدت أن الأجهزة حققت نتائج أعلى بما يصل إلى 24% عند تشغيل النسخة العامة من ‏‏3‏DMARK‏ مقارنة بنسخة داخلية مطابقة أعيدت تسميتها.‏

وخلص التحقيق إلى أن الهواتف كانت تتعرف على اسم تطبيق الاختبار وتفعّل نمط أداء أعلى، وهو ما قالت إنه يخالف قواعدها لأن ‏النتيجة لا تعكس بصورة موثوقة أداء الألعاب في الظروف الطبيعية.‏

وليست هذه واقعة منفردة في تاريخ الصناعة، سبق حذف أجهزة من سامسونغ وONEPLUS‏ وهواوي وشركات أخرى من بعض ‏قواعد بيانات الاختبارات لأسباب مشابهة عبر السنوات.‏

وهنا يصبح الرقم المطبوع في الرسم البياني صحيحاً داخل الاختبار نفسه، لكنه قد لا يمثل الأداء الذي يحصل عليه المستخدم داخل ‏تطبيقاته.‏

والحقيقة أن الأرقام ليست كذباً في حد ذاتها، لكنها ليست الحقيقة كلها، وتستخدمها الشركات للترويج، الذي يحمل في طياته بعض من ‏الخداع.‏

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية عند شراء جهاز تقني لم يعد: ما أكبر رقم مكتوب على العلبة؟

بل‎:‎‏ كيف تم قياس هذا الرقم، وكم يستمر، وما الذي يحدث للجهاز عندما تنتهي ظروف الاختبار المثالية؟

في تلك المسافة بين الرقم الكبير والإجابة عن هذه الأسئلة، تعمل صناعة كاملة من التسويق.‏