40 مليار دولار من التبرعات الرقمية
الاحتيال الإلكتروني يتحول إلى صناعة عالمية
2.1 مليار دولار خسائر احتيال عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال 2025
الإمارات تكتشف أكثر من 1200 حالة تسول إلكتروني في عام واحد
159 مليون إعلان احتيالي تم حذفه بواسطة META خلال 2025
10.9 مليون حساب على فيسبوك وإنستغرام مرتبط بمراكز احتيال إجرامية
3 ملايين منشور تحت التدقيق.. الباحثون يحددون 832 حسابًا احتياليًا
عامر شرف: لا تسأل إذا كان يبدو حقيقيًا؟ بل هل يمكنني التحقق من أنه حقيقي؟
د. علاء نصر: حقيقة الوضع الإنساني لا تعفي صاحبه من المسؤولية القانونية
محمد سعيد: المحتال لا يحتاج إلى اختراق جهازك.. يكفيه اختراق مشاعرك
في أبسط صور الظاهرة، يظهر تعليق تحت منشور لا علاقة له بالعمل الخيري، يطلب صاحبه مساعدة أسرته أو علاج طفل ويدعو المستخدم إلى زيارة حسابه. وفي صور أكثر تعقيداً، تمتد القصة لأسابيع أو شهور، مدعومة بصور من المستشفى وتحديثات وتقارير طبية وشهادات من المحيطين بالحالة، إلى أن تتكون لدى الجمهور علاقة شبه شخصية مع صاحبها.
هذه الأدوات ساعدت بالفعل حالات إنسانية حقيقية على الوصول إلى متبرعين لم يكن بإمكانها الوصول إليهم من قبل.
لكن البنية الرقمية نفسها أتاحت مجالاً لاستثمار المشاعر، حيث يمكن للقصة الإنسانية أن تتحول إلى أداة لجمع الأموال بصرف النظر عن مدى صحتها.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد التعاطف»، حيث تصبح الثقة والعاطفة والوصول إلى الجمهور عناصر ذات قيمة مالية.
ولا يوجد تصنيف إحصائي عالمي موحد يسمى «التسول الإلكتروني». فالجهات الأمنية والتنظيمية توزع هذه الممارسات بين الاحتيال الإلكتروني، والاحتيال الخيري، والتمويل الجماعي الاحتيالي، والتسول، وجمع التبرعات دون ترخيص، وانتحال الهوية.
لذلك لا يمكن اختزال الظاهرة في رقم عالمي واحد، لكن الأرقام الرسمية والقضايا القضائية والدراسات الأكاديمية تكشف حجم البيئة التي تتحرك داخلها.
40 مليار دولار.. اقتصاد المساعدة
تقول منصة «غو فاند مي» إن الأفراد والمنظمات غير الربحية جمعوا عبرها أكثر من 40 مليار دولار منذ تأسيسها في 2010، وإن المنصة شهدت نحو 79 مليون عملية تبرع خلال 2025.
هذه ليست أموالاً احتيالية، لكنها تكشف حجم سوق التمويل الجماعي وقدرته على نقل قصة شخص مجهول إلى جمهور عالمي خلال وقت قصير.
وهذا الحجم نفسه يفسر جاذبيته للمحتالين، فحين يعتمد جمع المال على قصة يرويها شخص لغرباء، تصبح الثقة جزءاً أساسياً من العملية المالية.
وتقول «غو فاند مي» إنها تستخدم فرقاً للثقة والسلامة وتقنيات للتحقق والتحقيق في البلاغات، كما تتيح في ظروف محددة طلب استرداد التبرعات عند ثبوت إساءة استخدامها.
لكن المعضلة تبقى قائمة: كيف يمكن التحقق من ملايين القصص الشخصية بسرعة من دون تعطيل الحالات العاجلة؟
وخلال عام 2024، تلقى مركز شكاوى جرائم الإنترنت «آي سي 3» التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي أكثر من 4,500 شكوى مرتبطة بجمعيات خيرية احتيالية وحسابات تمويل جماعي وحملات إغاثة مزيفة، بخسائر تقارب 96 مليون دولار.
الرقم لا يمثل الحجم الكامل للظاهرة، بل الخسائر التي أبلغ عنها ووصلت إلى المركز، أي أنه رقم مرصود، لا تقدير شامل لما يحدث فعلياً.
2.1 مليار دولار.. عندما تبدأ الخديعة من السوشيال ميديا
وتتسع الصورة عند النظر إلى الاحتيال عبر منصات التواصل عموماً.
تشير بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية إلى أن نحو 30 في المئة ممن أبلغوا عن خسارة أموال بسبب الاحتيال خلال 2025 قالوا إن العملية بدأت عبر منصة اجتماعية، فيما بلغت الخسائر المبلغ عنها نحو 2.1 مليار دولار.
هذا الرقم لا يتعلق بالتسول الإلكتروني وحده، لكنه يكشف الدور الذي أصبحت منصات التواصل تؤديه كبوابة أولى للخداع المالي.
فالمنصة تمنح المحتال جمهوراً واسعاً، وهوية رقمية قابلة للبناء بمرور الوقت، ووسائل دفع تختصر المسافة بين التأثر وتحويل المال.
الإمارات.. أكثر من 1,200 حالة
في الإمارات، أعلن مجلس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات رصد أكثر من 1,200 حالة تسول عبر الإنترنت خلال 2024، محذراً من الحسابات المزيفة والمقاطع العاطفية وتقنيات التزييف العميق.
ويقول عامر شرف، المدير التنفيذي لقطاع الأنظمة والخدمات السيبرانية في مركز دبي للأمن الإلكتروني، إن من بين الأساليب التي قد يستخدمها المحتالون «استغلال الجانب الإنساني واستعجال المستخدم لاتخاذ قرار قبل التحقق من صحة الطلب».
ويحدد شرف مؤشرات تستدعي الانتباه، من بينها حداثة الحساب أو محدودية نشاطه، والتغير المفاجئ في طبيعة المحتوى، وتكرار الرسائل بصيغ متشابهة، والإصرار على الانتقال إلى قنوات أخرى أو استخدام وسائل غير معتادة لتحويل الأموال.
ويؤكد أن علامة واحدة لا تكفي للحكم على الحساب، وأن القرار المالي لا ينبغي أن يبنى على التأثر بالقصة وحدها.
من الحاجة إلى الجريمة
القانون الإماراتي يفرق بين طلب المساعدة والتسول وجمع التبرعات والاحتيال.
ويقول الدكتور علاء نصر، المستشار القانوني والحاصل على درجة الزمالة من جامعة برايتون، إن «ثبوت حقيقة الحالة الإنسانية لا يعفي صاحبها من المسؤولية القانونية»، لأن صدق الحاجة يختلف عن مشروعية الوسيلة المستخدمة للحصول على الأموال.
ويعاقب القانون على التسول باستخدام وسائل تقنية المعلومات بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر والغرامة التي لا تقل عن 10 آلاف درهم، أو بإحدى العقوبتين.
أما الدعوة إلى جمع التبرعات أو الترويج لها دون ترخيص، فتصل غرامتها إلى ما بين 200 ألف و500 ألف درهم، إلى جانب عقوبة الحبس المقررة.
وعندما يدخل الخداع أو اختلاق المرض أو استخدام مستندات وهوية كاذبة للاستيلاء على أموال الآخرين، ينتقل الفعل إلى نطاق الاحتيال الإلكتروني.
ويقول نصر إن تزوير التقارير أو استخدام صور وفيديوهات مضللة للحصول على المال يخرج السلوك من دائرة «التسول المجرد» إلى الاحتيال، ويمكن أن تصل غرامة الاحتيال الإلكتروني إلى مليون درهم، إلى جانب الحبس.
سرطان لم يكن موجوداً
المرض، وخصوصاً السرطان، يتكرر في قضايا الاحتيال المرتبطة بالتبرعات، فالأميركية أماندا كريستين رايلي قدمت نفسها منذ 2012 باعتبارها مصابة بسرطان الغدد الليمفاوية من نوع هودجكن، واستخدمت وسائل التواصل ومدونة شخصية لنشر تفاصيل ما وصفته برحلة العلاج.
لكن التحقيقات أثبتت أنها لم تكن مصابة بالسرطان.
وبحسب وزارة العدل الأميركية، حلقت رايلي شعرها، وزورت سجلات وخطابات طبية، وبنت على مدار سنوات قصة بدت حقيقية للمحيطين بها والمتبرعين.
وحددت السلطات 349 شخصاً وجهة قدموا لها 105,513 دولاراً، قبل الحكم عليها بالسجن خمس سنوات وإلزامها برد الأموال.
وفي ولاية ألاباما، ادعت جينيفر فلين كاتالدو إصابتها بسرطان في مرحلة نهائية، وحصلت على 264,163 دولاراً قبل أن تقر بالذنب في تهمتي الاحتيال الإلكتروني والمصرفي.
وفي قضية أخرى، ادعت فيدوتي هوبراج إصابتها بسرطان دم في مرحلة نهائية، وأنشئت حملتان على «غو فاند مي» لمصلحتها، وقال الادعاء إنها حصلت على أكثر من 50 ألف دولار من أكثر من 300 شخص.
وفي أستراليا، استخدمت لوسي ويلاند إنستغرام ومدونة شخصية لتوثيق معركة وهمية مع سرطان المبيض، وجمعت نحو 55 ألف دولار أسترالي قبل أن تقر بالذنب ويحكم عليها بالسجن عامين.
ما يجمع هذه الحالات ليس المرض فقط، بل طريقة بناء المصداقية: صور، تحديثات، تفاصيل طبية، تفاعل اجتماعي، ثم طلب المال.
20 دولاراً صنعت 400 ألف
وليس المرض شرطاً لصناعة القصة، في 2017، قالت كايتلين مكلور إن جوني بوبيت، وهو رجل مشرد ومحارب سابق، أنفق آخر 20 دولاراً يملكها لشراء الوقود لها بعدما تعطلت سيارتها قرب فيلادلفيا.
أنشأت مكلور وشريكها مارك داميكو حملة لمساعدة بوبيت بهدف أولي قدره 10 آلاف دولار، وجمعت الحملة نحو 400 ألف دولار من أكثر من 14 ألف متبرع، ثم تبين أن القصة الرئيسية لم تحدث.
لم ينفد الوقود، ولم ينفق بوبيت آخر 20 دولاراً لإنقاذها، والقصة التي كان هدفها 10 آلاف دولار أنتجت 400 ألف.
560 ألف دولار لعيادات لم تكن موجودة
في نيويورك، قدم بافيل بيليتسكي نفسه باعتباره يدير عيادات طبية في بيروت ويحتاج إلى الأموال لشراء الأدوية والمعدات.
وبحسب وزارة العدل الأميركية، جمع أكثر من 560 ألف دولار من أكثر من 350 شخصاً.
وقالت السلطات إن العيادات لم تكن موجودة بالشكل الذي قدمه للمتبرعين، وإن جانباً من الأموال استخدم في نفقات شخصية.
وأقر بيليتسكي بالذنب، قبل أن يحكم عليه في 2025 بالسجن خمس سنوات.
القضية تكشف نموذجاً مختلفاً: المحتال لا يحتاج إلى القول «أنا مريض»، فقد يقول «أنا أعالج المرضى».
187 مليون دولار باسم السرطان
في 2015، تحركت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية وجهات إنفاذ القانون في الولايات الخمسين وواشنطن العاصمة ضد أربع مؤسسات قدمت نفسها باعتبارها جمعيات لمساعدة مرضى السرطان.
وقالت الجهات التنظيمية إن تلك المؤسسات حصلت على أكثر من 187 مليون دولار.
وبحسب اللجنة، قيل للمتبرعين إن الأموال ستذهب إلى مرضى السرطان، بينما استفاد منها في معظمها القائمون على المؤسسات وأفراد أسرهم وأصدقاؤهم وشركات جمع الأموال.
وتظهر القضية أن استغلال التعاطف لا يحتاج إلى حساب مجهول، بل يمكن أن يأتي عبر مؤسسة تبدو رسمية.
18 مليون دولار.. وسنت واحد
وفي قضية أخرى، قالت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية وعشر ولايات إن مؤسسة «وومنز كانسر فاند» جمعت أكثر من 18 مليون دولار بين 2017 و2022، بينما ذهب نحو سنت واحد فقط من كل دولار إلى المساعدة المباشرة التي جرى الترويج لها.
وتبقى هذه الوقائع منسوبة إلى الشكوى التنظيمية، وليست حكماً جنائياً نهائياً.
25 مليون دولار خارج إطار المرض
وجمعت حملة «وي بيلد ذا وول» أكثر من 25 مليون دولار من مئات الآلاف من المتبرعين، وقال الادعاء الأميركي إن أموالاً جرى تحويلها إلى بعض القائمين على الحملة خلافاً لما أبلغ به المتبرعون، وإن برايان كولفاج حصل على أكثر من 350 ألف دولار للاستخدام الشخصي.
ورغم أن القضية لا تتعلق بالتسول التقليدي، فإنها تكشف الآلية نفسها: قصة، وثقة، وجمهور، ثم أموال تتحرك بسرعة.
مصر.. أربعة ملايين جنيه قيد التحقق
في مصر، ظهرت خلال 2026 قضية دنيا فؤاد، التي ظهرت عبر وسائل التواصل بقصة إصابتها بالسرطان قبل أن تصبح موضع بلاغات وتحقيقات تتعلق بجمع التبرعات.
وقالت الصحفية ندى الجبالي، التي ذكرت أنها كانت من داعمي الحالة في البداية، إن فؤاد جمعت أكثر من أربعة ملايين جنيه، وإن متبرعاً واحداً حول لها 350 ألف جنيه.
كما قالت إن تقارير طبية اطلعت عليها أظهرت عدم وجود أورام خبيثة وعدم خضوع فؤاد للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي.
لكن رقم الأربعة ملايين جنيه لم يصدر باعتباره حصيلة نهائية رسمية، ولم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة، لذلك يبقى منسوباً إلى الجبالي.
كما نقلت وسائل إعلام مصرية عن مصادر مرتبطة بالتحقيقات أن الفحص امتد إلى الحسابات والتحويلات وممتلكات قيل إنها شملت شقة وسيارة وسكوتر وهواتف.
وتبقى هذه المعلومات أيضاً منسوبة إلى مصادرها، ولا تقدم باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً.
أرجوك لا تتجاهلني
بعيداً عن القضايا الكبرى، توجد صورة أكثر يومية للظاهرة، تحت منشور عن هاتف أو مباراة أو فنان أو وصفة طعام، يظهر تعليق لا علاقة له بالمحتوى، يطلب صاحبه المال أو يدعو المستخدم إلى زيارة حسابه.
وتتكرر أحياناً عبارات متشابهة من حسابات مختلفة، ما يثير الشك في وجود نشاط آلي أو منسق، والمؤشرات الأهم تتعلق بالسلوك الرقمي: هل يتكرر النص عبر حسابات متعددة؟ هل تستخدم الصورة نفسها بأسماء مختلفة؟ هل الحساب حديث؟ هل ينقل المستخدم سريعاً إلى تطبيق أو رابط دفع خارجي؟ وهل تشترك حسابات مختلفة في وسيلة الدفع نفسها؟
هذه المؤشرات تتقاطع مع ما حدده مركز دبي للأمن الإلكتروني من علامات تستدعي التحقق.
ثلاثة ملايين منشور و832 حساباً
في دراسة «قراصنة العمل الخيري: استكشاف إساءة استغلال التبرعات على منصات التواصل الاجتماعي»، حلل الباحثون بيانات 151,966 حساباً وأكثر من 3.053 ملايين منشور مرتبط بالتبرعات على إكس وإنستغرام وفيسبوك ويوتيوب وتلغرام.
وحدد الباحثون 832 حساباً احتيالياً داخل مجموعة البيانات التي درسوها.
وعلى إنستغرام، وجدوا أن 3,619 منشوراً من أصل 4,606 منشورات مرتبطة بالحسابات الاحتيالية كانت مكررة، بنسبة 78.57 في المئة.
ولا تعني النسبة أن 78.57 في المئة من طلبات المساعدة على إنستغرام مزيفة، لكنها تكشف أن إعادة استخدام المحتوى بكثافة ظهرت بوضوح داخل الحسابات التي صنفتها الدراسة باعتبارها احتيالية.
وفي دراسة «سكام سبوت»، جمع الباحثون أكثر من 100 ألف تعليق على إنستغرام في مجال المال والعملات المشفرة، وصنفوا يدوياً آلاف التعليقات لبناء نظام لرصد الاحتيال.
اختراق المشاعر
مع دخول الذكاء الاصطناعي، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً.
ويقول عامر شرف إن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح قادراً على إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو بدرجة عالية من الواقعية، ما يجعل الاعتماد على العين البشرية وحدها أكثر صعوبة.
ويطرح شرف سؤالاً أكثر صرامة: بدلاً من «هل يبدو هذا حقيقياً؟» ينبغي أن نسأل «هل أستطيع التحقق من أنه حقيقي؟».
ويرى المهندس محمد سعيد، الخبير التقني ومستشار الذكاء الاصطناعي، أن التعاطف الإنساني قد يكون «أخطر ثغرة أمنية في العصر الرقمي، لأنها لا توجد في الهاتف أو الحاسوب بل في الإنسان نفسه».
ويقول سعيد: «المهاجم اليوم لا يحتاج بالضرورة إلى اختراق الأجهزة، بل قد يكفيه فقط أن ينجح في اختراق مشاعرك».
شخص لم يوجد قط
ويقول محمد سعيد إن التكنولوجيا تسمح اليوم، من الناحية التقنية، بإنشاء وجه وصوت وصور ومقاطع فيديو لشخص لم يوجد في الواقع، ثم بناء حسابات تمنحه تاريخاً رقمياً يبدو طبيعياً.
ويضيف أن المحتال لم يعد مضطراً إلى سرقة هوية إنسان حقيقي، إذ يستطيع بناء شخصية رقمية كاملة وقصة مرض أو كارثة حولها.
ولا توجد بيانات تثبت أن هذا الأسلوب مستخدم على نطاق واسع في حملات التبرع، لكن الإمكانية التقنية نفسها تغير قواعد التحقق.
سراب.. التقنية تواجه التزييف
ويقول عامر شرف إن مركز دبي للأمن الإلكتروني يوظف الذكاء الاصطناعي في تطوير قدراته على تحليل مؤشرات التلاعب بالمحتوى الرقمي.
وفي هذا السياق، أطلق المركز خلال «جيسيك جلوبال 2026» برنامج «سراب»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر طوره فريق إماراتي بالكامل لكشف مقاطع الفيديو المزيفة بتقنية التزييف العميق.
ويصف المركز «سراب» بأنه الأول من نوعه الذي تطوره جهة حكومية في المنطقة العربية.
ويرى محمد سعيد أن مواجهة التزييف ستظل سباقاً مستمراً بين أدوات التوليد وأدوات الكشف، وأن الحل لن يعتمد على أداة واحدة، بل على مزيج من تقنيات الكشف وإثبات المصدر والتحقق البشري.
ويلخص التحدي بقوله: «ندخل عصراً قد يصبح فيه إنتاج الدليل المزيف أسهل من إثبات الحقيقة نفسها».
من التعليق إلى التحويل
الخطر لا ينتهي عند المنشور، ويقول عامر شرف إن رحلة المستخدم قد تبدأ برسالة أو تعليق، ثم تنتقل إلى تطبيق مراسلة، وبعد ذلك إلى رابط خارجي أو صفحة دفع.
ومع كل انتقال، تصبح إعادة التحقق ضرورية، بدلاً من افتراض أن موثوقية نقطة البداية تمتد إلى بقية الرحلة.
ويضع شرف قاعدة مباشرة: «الاستعجال لا يجب أن يختصر خطوة التحقق»، خصوصاً عند تحويل الأموال أو مشاركة البيانات الشخصية والمصرفية.
المؤثر الذي يشارك حالة إنسانية لا يمنحها الانتشار فقط، بل يمنحها أيضاً جزءاً من الثقة التي راكمها لدى جمهوره.
ويقول الدكتور علاء نصر إن صاحب الحملة الذي يصنع الخداع ويتلقى الأموال يتحمل المسؤولية الأساسية، بينما يرتبط موقف المؤثر بما كان يعرفه وطبيعة مشاركته.
فإذا تعرض المؤثر نفسه للخداع، يصبح غياب القصد الجنائي عنصراً أساسياً عند بحث مسؤوليته عن الاحتيال. أما إذا ثبت علمه بالخداع أو مشاركته فيه، فقد تمتد المسؤولية إليه باعتباره شريكاً.
10.9 ملايين حساب
وتقول «ميتا» إنها أزالت خلال 2025 أكثر من 159 مليون إعلان احتيالي، وإن 92 في المئة منها أزيل قبل أن يبلغ عنها المستخدمون.
كما تقول إنها عطلت 10.9 ملايين حساب على فيسبوك وإنستغرام مرتبطة بمراكز احتيال إجرامية.
هذه الأرقام لا تخص التسول أو التبرعات وحدهما، لكنها تكشف الحجم الصناعي لبعض شبكات الاحتيال الرقمي.
الضحية الثانية
للاحتيال ضحية واضحة: الشخص الذي خسر أمواله، لكن هناك ضحية أخرى لا يتطرق لها الكثيرين، وهي المريض أو المحتاج الحقيقي الذي يأتي بعد الفضيحة.
فبعد كل قصة مزيفة، يصبح الجمهور أكثر تشككاً، وتضطر الحالات الحقيقية إلى تقديم مزيد من الأدلة لإثبات أنها ليست جزءاً من عملية خداع، وبذلك لا يستهلك الاحتيال المال فقط، بل يستهلك الثقة التي يقوم عليها التبرع نفسه.
من الشارع إلى الخوارزمية
غيّرت التكنولوجيا بنية طلب المساعدة، فالقصة تستطيع عبور الحدود خلال دقائق، والخوارزمية قد تمنحها جمهوراً واسعاً، والمؤثر قد يمنحها الثقة، ووسائل الدفع تستطيع تحويل التأثر إلى مال خلال ثوان.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليجعل إنتاج الصورة والصوت والفيديو والهوية المقنعة أسهل وأقل تكلفة، لكن ذلك لا يجعل كل من يطلب المساعدة محتالاً، ولا يحول كل حملة تمويل جماعي إلى موضع اتهام، فالمنظومة نفسها تخدم ملايين الحالات الحقيقية، وهنا تكمن المفارقة.
الإنترنت جعل الوصول إلى المحتاج أسهل، لكنه جعل الوصول إلى المتبرع أسهل أيضاً، ولذلك لم يعد السؤال قبل التبرع فقط: هل أثرت فيّ القصة؟
بل: من يرويها؟ من سيحصل على المال؟ وهل أستطيع التحقق فعلاً من أنها حقيقية؟

