تخيّل مريضاً يدخل غرفة الطبيب حاملاً تقريراً في يده، وعشرات التشخيصات في رأسه، شاهد مقطعاً، وقرأ عنواناً مخيفاً، وتلقى نصيحة من مجهول، وقبل أن يبدأ الفحص، كان هاتفه قد أقنعه بما يعانيه...
ربما بما ينبغي أن يفعله...
هنا تلتقي الصحة بالإعلام، فالكلمة التي تصل إلى الإنسان قد تساعده على اتخاذ قرار واعٍ، أو تتركه أسيراً للخوف والوهم.
ومن موقعي في إدارة القطاع الصحي، أرى إنساناً وراء كل ملف طبي. وفي الإعلام، ينبغي أن نرى إنساناً وراء كل مشاهدة؛ أباً قلقاً على طفله، أو مريضاً يبحث عمّا يطمئنه.
وبمناسبة قمة الإعلام العربي، أطرح سؤالاً يتجاوز حدود القطاعين: كيف نحول ما نقوله على المنصات إلى ما ينفع الناس في حياتهم؟
الإعلان قد يعرّف الناس بمستشفى، لكنه لا يصنع جودة الرعاية، والعنوان قد يجذب ملايين القراء، لكنه لا يمنح المعلومة صحتها. الثقة تُبنى حين تتطابق الوعود مع التجربة، وحين تُقدَّم الحقيقة بوضوح، بما فيها حدود المعرفة وما لم يُحسم بعد. ولهذا يجب أن يسبق النشر سؤال: ماذا سيفهم الناس؟
وأي قرار قد يتخذونه بناءً على هذه المعلومة؟ ولا تُحمى الثقة بإخفاء الأسئلة الصعبة. المؤسسة الصحية مسؤولة عن شرح قراراتها، والإعلام مسؤول عن التحقق منها. ومن حق الصحافي أن يسأل ما لا تختار المؤسسة أن تقوله عن نفسها.
هذه ليست خصومة، إنها مسؤولية مشتركة تجاه إنسان يستحق أن يعرف.
ماذا يبقى بعد التصفيق؟
في الصحة، لا يكفيني أن أعرف عدد الإجراءات التي أُنجزت، أريد أن أعرف ماذا تحسّن في حياة المريض. وفي الإعلام، أرى أن عدد المشاهدات لا يكفي وحده للحكم على النجاح. قد يبلغ المحتوى الملايين ولا يضيف إلى معرفتهم، وقد يصل إلى شخص واحد فيغيّر فهمه وقراره.
ليس مطلوباً أن ينتهي كل حوار بقرار فوري. أحياناً يبدأ الأثر بتصحيح اعتقاد، أو طرح سؤال أغفلناه، أو منح قضية إنسانية ما تستحقه من اهتمام. لكن الخطر أن نغادر المنصة راضين عن حضورنا، من دون أن نسأل عمّا قدّمناه.
دبي.. وما بعد المنصة
ومن دبي، أطمح أن تكون قمة الإعلام العربي بداية لشراكات تتجاوز أيام انعقادها: تدريب الصحافيين على قراءة المعلومات الصحية، وتسهيل وصولهم إلى المختصين، وإنتاج محتوى واضح يفرّق بين الدليل العلمي والوعد التسويقي.
شراكة تحفظ استقلال الإعلام، وتُلزم المؤسسات بالشفافية، ويستفيد منها إنسان لم يحضر القمة ولم يعرف أسماء المتحدثين، فالمريض الذي بدأنا به الحكاية لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات؛ يحتاج إلى معلومة يستطيع الوثوق بها، وسؤال يجد له إجابة، ومؤسسة لا تتركه وحيداً أمام خوفه.
من الصحة إلى الإعلام، يبقى الإنسان هو الغاية.
ومن الحوار إلى الأثر، تبدأ مسؤوليتنا حين تنطفئ أضواء المنصة، فقيمة ما نقول، في النهاية، تقاس بما يتغير في حياة الناس.
