الرجل الذي أغضب القرية
كان في إحدى القرى خباز صغير يصنع الخبز كل صباح، كان خبزه جيداً، لكنه لم يكن مختلفاً كثيراً عن غيره، وفي أحد الأيام قرر أن يغير كل شيء، اشترى فرناً أفضل، واستيقظ قبل الجميع، حسن جودة الدقيق، وبدأ يوصل الخبز إلى البيوت.
بعد أشهر، أصبح أمام متجره طابور طويل، ثم فتح متجراً ثانياً وثالثاً، واشترى بيتاً جديداً.
وهنا بدأت المشكلة، لم يعد أهل القرية يتحدثون عن جودة خبزه، بل بدؤوا يتحدثون عن أرباحه.
قال أحدهم: «يكسب أكثر من اللازم»، وقال آخر: «يجب أن نضع حداً لهذا».
أما الرجل العجوز الذي كان يجلس أمام المقهى فسأل سؤالاً بسيطاً: «هل أجبر أحداً على شراء خبزه؟»
قالوا: لا.
قال: «إذن لماذا لا تصنعون خبزاً أفضل منه؟».. ساد الصمت.. هذه ليست قصة خباز، إنها واحدة من أقدم الأسئلة في الاقتصاد: هل الربح مشكلة؟ في الاقتصاد الحر، الربح ليس مجرد مال يدخل جيب المستثمر.. إنه إشارة.
إشارة تقول إن المستهلك وجد قيمة فيما قُدم له، وأن رأس المال والعمل والمخاطرة اجتمعت بطريقة نجحت في إقناعه بأن يدفع طواعية، وكلما ارتفع الربح، دخل منافسون جدد يحاولون الحصول على جزء منه، فيتحسن المنتج، وتنخفض الأسعار، ويزداد الابتكار، هذه - ببساطة - إحدى أهم الآليات التي تحرك السوق.
لكن ليس كل ربح فضيلة.. المشكلة تبدأ عندما لا يأتي الربح من إرضاء المستهلك، بل من منع المنافس.
احتكار، امتياز خاص، معلومة لا يملكها الآخرون، أو قواعد صُممت لحماية لاعب بعينه.
هنا لا يكافئ السوق الابتكار.. بل يكافئ النفوذ.. ولهذا، فإن الاقتصاد الحر الحقيقي لا يحارب الربح، بل يحارب الطريق غير العادل إليه.
دعوه يربح.. نحتاج إلى تغيير سؤالنا.. بدلاً من: «لماذا يربح كل هذا؟»
نسأل: «كيف ربحه؟»
إذا ابتكر، وخاطر، ووظف الناس، وقدم منتجاً اختاره المستهلك في سوق مفتوحة للمنافسة.. فدعوه يربح.
بل لعلنا نحتاج إلى المزيد مثله، لأن المجتمعات لا تصبح أكثر ثراءً عندما تمنع الناجحين من النجاح.
بل عندما تجعل الطريق مفتوحاً أمام الآخرين لينافسوهم.. لا تخف من رجل يربح.
خف من سوق لا يستطيع أحد فيه أن ينافسه.