الرجل الذي أحب الأبواب
كان هناك تاجر قرر أن يبني سوقاً كبيراً في مدينة صغيرة تطمح لأن تصبح مركزاً للتجارة.
جلس مع المهندس، فسأله: «كم باباً تريد للسوق؟»، أجابه: «أكبر عدد ممكن»، استغرب المهندس وقال: «باب رئيسي كبير يكفي الجميع»، ابتسم التاجر وقال: «اليوم يكفي... لكنني لا أعرف أي باب سيُغلق غداً».
فبنى باباً للتجار، وآخر للمسافرين، وثالثاً للسفن، ورابعاً للطائرات، ثم واصل بناء الأبواب، ضحك البعض، وقالوا إنه يهدر المال على أبواب ربما لن يحتاج إليها، لكنه كان يخشى شيئاً واحداً: أن يصبح رزقه مرهوناً بباب واحد، ثم أُغلق الباب.
جاءت أزمة لم يتوقعها أحد، اضطربت الطرق، وتراجعت الحركة، وأُغلق أحد أهم أبواب السوق، وبدأ البعض ينتظر النهاية.
قال أحدهم: «لن يصمد»، وقال آخر: «هذه المرة مختلفة»، لكنهم انتظروا... ولم يسقط السوق.
دخل الناس من باب آخر، وتحركت البضائع من الثالث، ووصل المسافرون من الرابع.
وفجأة، أصبحت الأبواب التي سخروا منها في سنوات الرخاء... سرّ قوة السوق في الأزمة.
هذه ليست قصة سوق، إنها قصة اقتصاد فهم مبكراً أن القوة ليست في ضمان عدم وقوع الأزمات، فهذا لا يملكه أحد.
القوة أن تبني نفسك قبل الأزمة... لتستطيع الاستمرار خلالها، أن تمتلك النفط، لكن ألا تكون حياتك كلها نفطاً.
أن يكون لديك طيران وموانئ وسياحة وتجارة وصناعة وعقار وخدمات مالية وتكنولوجيا واستثمارات تمتد إلى ما وراء حدودك، وأن تجعل العالم يحتاج إليك... بقدر ما تحتاج إليه، عندها، لا يعود تنويع الاقتصاد شعاراً جميلاً، بل يصبح خط دفاع.
هواية انتظار السقوط
الغريب أنه مع كل أزمة يظهر من ينتظر سقوط السوق، أزمة مالية، وباء، حرب، أو اضطراب في طرق التجارة، وفي كل مرة يتكرر السؤال:«هل سيصمد هذه المرة؟».
ثم تمر العاصفة... ويبقى السوق، ربما لأن السؤال نفسه كان خطأ، فهذا الاقتصاد لم يُبنَ على افتراض أن البحر سيظل هادئاً، بُني وهو يعرف أن العواصف ستأتي.
أي باب ستغلق؟
الاقتصاد القوي ليس اقتصاداً لا يتلقى الضربات، بل اقتصاد يتلقى الضربة... ويواصل الحركة، يتعطل طريق، فيجد غيره، يتراجع قطاع، فيتحرك آخر، تتغير الأسواق، فيفتح أسواقاً جديدة، فالقوة لا تُقاس فقط بحجم ما تملكه في الرخاء، بل بعدد الخيارات التي تبقى أمامك في الشدة، ولذلك، إذا أراد أحد يوماً إيقاف ذلك السوق، فستواجهه مشكلة صغيرة أي باب سيغلق؟
فالسوق الذي بنى أبوابه جيداً، لا يخشى أن يُغلق أحدها، أغلق باباً، سيفتح آخر، وأغلق الثاني... فربما لديه ثمانية أبواب لم تنتبه إليها بعد.