لم نعد ننتظر الحارس

كان هناك بيت عاش أهله سنوات طويلة مطمئنين. لم تكن أسواره الأعلى، ولا أبوابه الأقوى، لكن عند بابه كان يقف حارس قوي، اعتاد الجميع وجوده حتى أصبح جزءاً من شعورهم بالأمان.

كلما سأل أحدهم: ماذا لو جاء الخطر؟ كانت الإجابة بسيطة: الحارس موجود.

ومرت السنوات، وتغير العالم من حول البيت، لكن أهله ظلوا ينامون مطمئنين إلى الإجابة نفسها، حتى جاءت ليلة مختلفة، اقترب الخطر، فنادوا الحارس، انتظروا... فلم يتحرك، نادوه مرة أخرى، فأخبرهم أنه يتابع الموقف «بقلق شديد»، اقترب الخطر أكثر، فطلبوا منه التدخل، فاقترح اجتماعاً عاجلاً لمناقشة الأمر.

هنا فقط أدرك صاحب البيت حقيقة تأخر في اكتشافها: الحارس ما زال موجوداً... لكنه لم يعد قادراً وحده على حماية البيت، لم يغضب، ولم يطرده، ولم يقرر أن يصبح عدواً له، فعل شيئاً أكثر حكمة، أغلق الباب، وجمع أبناءه وقال لهم: من الليلة، نحن مسؤولون عن حماية بيتنا.

قوّوا الأبواب، ورفعوا الأسوار، واستثمروا في قوتهم، وعلّموا أبناءهم، وبنوا اقتصاداً يستطيع الصمود، وامتلكوا ما يكفي من المعرفة والقدرة ليعرف كل من يفكر في الاقتراب أن لهذا البيت أهلاً قادرين على حمايته.

وبقي الحارس موجوداً، صديقاً حين تتلاقى المصالح، وشريكاً حين تتفق المواقف، وحليفاً حين يكون التحالف في مصلحة الطرفين، لكنه لم يعد ضمانة البيت.

ربما تبدو هذه حكاية عن بيت وحارس، لكنها في الحقيقة حكاية عالم يتغير أمام أعيننا، لعقود طويلة، اعتادت دول كثيرة أن تنظر إلى النظام الدولي والمؤسسات الكبرى والتحالفات التقليدية باعتبارها ضمانة شبه دائمة للأمن والاستقرار.

لكن العالم تغير، والدرس هنا ليس أن نخاصم العالم، أو أن نستغني عن الأصدقاء والحلفاء. على العكس، فالتحالفات والشراكات ستظل جزءاً أساسياً من قوة الدول.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون لك حلفاء، وأن تعتمد على الآخرين في حماية بيتك. في العالم الجديد، القوة ليست سلاحاً فقط، القوة اقتصاد قادر على الصمود، وغذاء وطاقة، وتكنولوجيا ومعرفة، ومؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، وقوة ردع، وشبكة من الشراكات المتوازنة التي تقوم على المصالح والاحترام المتبادل.

ربما كان العالم القديم يقول للدول الصغيرة والمتوسطة: نحن نحميكم.

أما العالم الجديد فيقول لها شيئاً مختلفاً: احمِ نفسك أولاً... حتى يحسب لك الآخرون حساباً.

لا نريد أن نعيش بعيداً عن العالم، ولا أن ندير ظهورنا لحلفائنا. نريد أن نصادق الجميع، وأن نبني أفضل الشراكات، وأن نمد أيدينا لمن يريد التعاون معنا. لكن مفتاح البيت يجب أن يبقى دائماً في أيدي أصحابه.

لقد انتهى زمن انتظار الحارس. فنحن لا نبحث عمّن يحمينا... نحن نبني القوة التي تحمينا.