في القصة السابعة والعشرين من كتاب (قصّتي: 50 قصة في خمسين عاماً) والّتي جاءت بعنوان «إعلان الاتحاد»، يقصّ علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، اللحظات المذهلة الّتي سبقت تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الوطن، حين تمّ الإعلان عن تشكيل دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971م.

حيث تتبّع بإحساس الراوي المتيقّظ الأمين على كلّ لحظة مهّدت لهذا الحدث الكبير، المسيرة المحفوفة بالصعوبات والتحدّيات قبل إعلان الاتحاد لكي تعرف الأجيال اللاحقة أنّ تحقيق هذا الحلم لم يكن مجرّد خاطر خطر في النفس، أو رؤيا عابرة في غسق الليل، بل هو ثمرة كفاح طويل وعمل متواصل نهض بأعبائه القائد المؤسّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يسانده منذ بداية الدرب المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه .

لينضمّ إليهما بعد ذلك قادة الإمارات الأخرى الّذين رأوا في صنيع المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نموذجاً متفرّداً في الدعوة إلى الوحدة في مرحلة تاريخية كانت تشهد كثيراً من التداعيات والانقسامات داخل القُطر الواحد، فتوحّدت الأيدي، ورُفع اللواء، وتمّ الإعلان عن هذا الاتحاد الميمون في هذه اللحظة التاريخية المباركة الّتي استحقّت معها الإمارات احترام العالم ومؤازرته.

ومنذ تلك اللحظة تحافظ الدولة على إحياء هذه الذكرى الوطنيّة باعتبارها تعبيراً عن الهويّة الأصيلة، وتقديراً لهذا الماضي العريق، واستشرافاً لمستقبل مُشرق يستحقّه أبناء هذا الوطن الطيب الأصيل.

هناك أكثر من ثلاث سنوات بين التفكير بإنشاء الاتحاد وبين الإعلان عنه، ومرّة أخرى نلتقي مع ذاكرة هذا الوطن وضميره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الّذي تتبّع كلّ لحظات التفكير والإعداد لهذا الحدث التاريخيّ العظيم، حين كتب قصة أخرى في غاية التأثير والروعة سمّاها «الخيمة الشماليّة»، حيث تذكّر سموه لحظة الولادة الأولى لدولة الإمارات العربية المتحدة حين استدعاه والده الشيخ راشد بن سعيد في عام 1968م.

وطلب منه أن يختار مكاناً بعيداً عن عيون المتربّصين بفكرة الاتحاد لقضاء يوم كامل في الصحراء من أجل اللقاء مع حكيم رصين الرأي عميق النظرة سليم القلب يبحث عن بناء وطن متماسك يجتمع فيه شمل هذه القبائل في عُرض هذه الصحراء الشاسعة، ذلكم هو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الّذي كان قد مضى عامان على تقلّده مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وبحسب عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد فقد كان الشيخ زايد يحمل همّ الاتحاد وحلم الدولة الواحدة، فكان هدف هذا الاجتماع الثنائيّ وضع الإطار التأسيسي للاتحاد.

في منطقة عرقوب السديرة كان ذلك اللقاء التاريخي، ومن الخيمة الشمالية الّتي تستقبل النسيم العليل في 18 فبراير عام 1968م بدأت فكرة الدولة. ثمّ جاءت اللحظة الفاصلة، وفي الثاني من ديسمبر عام 1971م، اجتمع حكّام الإمارات في قصر الشيخ راشد بدبي.

وبعد جلسة مغلقة تمّ فيها انتخاب الشيخ زايد رئيساً للاتحاد بالإجماع، والشيخ راشد نائباً للرئيس، والشيخ مكتوم بن راشد رئيساً للوزراء، تمّ إصدار البيان التالي، والّذي ذكره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه البديع (قصتي):

«في هذا اليوم الخميس، الموافق الثاني من ديسمبر عام 1971، وهنا في إمارة دبي اجتمع حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأمّ القيوين والفجيرة بصفتهم موقّعين على الدستور المؤقّت لدولة الإمارات العربية المتحدة، في جوٍّ مفعمٍ بالعواطف الأخوية الصادقة، والثقة المتبادلة والعزيمة القوية الثابتة، من أجل تحقيق طموحات الشعوب في هذه الإمارات، وأصدروا إعلاناً سوف تسري بموجبه شروط الدستور آنف الذكر منذ هذا التاريخ».

هكذا فُتحت الصفحة الأولى في دفتر المجد لدولة الإمارات العربية المتحدة، وها هم أبناء زايد وعياله ما زالوا على العهد يرفعون اللواء، ويسيرون خلف القائد بكلّ ثقة ومحبّة، ويقدّمون الغالي والنفيس في سبيل صيانة ذلك العهد ومواصلة تلك الطريق التي سار فيها أولئك الفرسان الّذين اختاروا الوحدة على الفرقة، والاتحاد على الشتات، فكان هذا الوطن الذي طلع في سماء المجد وما زال يعلو كلّ يوم بفضل اتحاد أبنائه وحكمة قادته، وسلامة بنيانه.