لحظات البوح عند الرحيل

أصدق المشاعر تخرج من وجدان الراحلين، وأجرأ المواقف تصدر عمّن لم يعد لديه ما يخسره. خبراء الموارد البشرية حول العالم لاحظوا أن أكثر الملاحظات واقعية وصدقاً تصدر من الموظفين الذين حسموا قرارهم بالمغادرة. صحيح أن شهادتهم قد تكون مجروحة أحياناً، لكن لحظات البوح تلك تحمل ما لا يستطيع الموظف قوله وهو ما يزال على رأس عمله، وهنا يكمن جوهر المسألة.

الاستقالة في ذاتها سنة من سنن الحياة المهنية، لكنها تتحول إلى مؤشر مقلق حينما تصبح ظاهرة متكررة. فارتفاع معدل الدوران الوظيفي (Turnover) لا يُعد رقماً عابراً، بل نقيصة مباشرة بحق من يقود المشهد الإداري. لكل منظمة نسب مقبولة وطبيعية للمغادرين، لكن تجاوز هذه الحدود يشير غالباً إلى خلل أعمق في الثقافة أو القيادة أو السياسات.

لهذا السبب، تطبق الشركات والمؤسسات الرائدة ما يُعرف بمقابلة ترك العمل (Exit Interview)، وهي مقابلة منظمة يجريها قسم الموارد البشرية مع الموظف المستقيل، بهدف فهم الأسباب الحقيقية للمغادرة، سواء كانت شخصية أو متعلقة ببيئة العمل.

تكمن قيمة هذه المقابلات في أن من يغادر لا يملك ما يخسره، فيتحدث بصراحة عن مدير متسلط، أو قيادة لا تُقدّر الجهود، أو بيئة تُكافئ الصمت لا الإنجاز. وغالباً ما تكون المقابلات الشفهية أكثر صدقاً من الاستبانات المكتوبة، لأن الإنسان يقلّ فيها تحفظه. وما يُقال خلالها، إذا أُحسن التعامل معه، قد يمنع استقالات مستقبلية قبل أن تقع.

ومن أبجديات هذه المقابلات ألا يجريها المدير المباشر نفسه، إذ تشير كثير من الدراسات إلى أن السبب الأول للاستقالات ليس «الوظيفة» بل «المدير». وتتعاظم المشكلة حين يكون المدير هو الخصم والحَكم في آن واحد. كما يفترض ألا تكون المقابلة شكلية أو دفاعية، بل أن تُحلل نتائجها بشكل منهجي وتراكمي لا فردي أو انفعالي.

وبما أن مقابلات ترك العمل تُدار من قبل الموارد البشرية، فإن الحياد شرط أساسي لنجاحها، إلى جانب طرح أسئلة مفتوحة وغير اتهامية، وربط مخرجاتها بمؤشرات قابلة للقياس لا باستنتاجات فضفاضة. الفكرة الجوهرية هنا هي استخدام نتائج المقابلات لتحسين النظام، لا لتبرير أخطاء الماضي أو البحث عن كبش فداء.

ومع ذلك، لا يُنصح بإجراء مقابلة ترك العمل في كل الحالات. فهي تصبح عبئاً عندما تنطوي على مخاطر قانونية، أو تأتي في سياق نزاع أو تحقيق حساس، أو عقب فصل تأديبي جسيم. كما تفقد جدواها إذا كان الموظف في حالة انفعال شديد، أو في بيئة تفتقر للثقة، أو حين لا توجد نية حقيقية للاستفادة من نتائجها. وفي حالات الاستقالات الجماعية ذات الأسباب الواضحة. وإذا أوشكت أن تجرى بواسطة المدير المباشر، يكون الامتناع عنها أكثر مهنية من إجرائها.

القضية ليست فضولاً لمعرفة «لماذا يرحل الموظف»، بل فهم ما تكشفه أقواله الصريحة عن بيئة العمل ومن يقودها. فمقابلة ترك العمل الجيدة ليست أداة توديع، بل إنذار مبكر. وهي لا تُنقذ الموظف المغادر، بل تحمي من سيغادر بعده.