هل نحتاج إلى علاج معرفي؟

في الوقت الذي تتحول فيه البيئة الرقمية المعاصرة إلى «ماكينة» عملاقة وممنهجة لتفتيت الانتباه الإنساني، نجد أنفسنا أمام حقيقة بيولوجية صادمة كشف عنها نيكولاس كار في كتابه «السطحيون»، مفادها أن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أننا لا نعاني من مجرد ضيق في الوقت أو تسارع في الإيقاع، بل نحن بصدد عملية «تشظي وعي» شاملة، إذ تعيد التكنولوجيا الرقمية هندسة مساراتنا العصبية لترغمنا على التحول إلى كائنات «مشتتة» ذهنياً، غير قادرة على الإمساك بجوهر الفكرة أو الغوص في أعماق المعنى المستتر خلف الظواهر، وهنا يبرز السؤال الوجودي والأخلاقي للإنسان المعاصر: هل يظل العقل مجرد «صدى» باهت لهذا التشتت الرقمي، أم يتحول إلى «مختبر» واعٍ لترميم الوعي واستعادة السيادة الذهنية المفقودة؟

يؤكد نيكولاس كار في كتابه أن الإنترنت تعمل كآلة لتعطيل التركيز، فهي تمنحنا فيضاً من المعلومات لكنها تسلبنا في المقابل القدرة على الفهم العميق، وهذا التوصيف الدقيق يضع المؤسسات الإعلامية اليوم أمام مسؤولية إنسانية وتاريخية، فالمشكلة في جوهرها لم تعد تكمن في «ماذا» نعرف، بل في «كيف» نفكر وبأي أدوات ندرك العالم من حولنا، إن ما نحتاجه اليوم في الفضاء الصحفي ليس مجرد تدفق معلوماتي إضافي يزيد من حدة التشظي والارتباك، بل نحن بحاجة ماسة إلى «صحافة بناء السياق»، ذلك الفعل الذهني الخلاق الذي لا يكتفي برصد الظواهر العابرة، بل يعيد بناء «الخيط الناظم» الذي يربط بين الشظايا المبعثرة ليصنع منها معنى متكاملاً. إن الصحافة المعرفية هي المغناطيس الذي يجمع شتات العقل ويحميه من الانجراف العبثي خلف «السيولة الرقمية» التي باتت تبتلع كل ما هو صلب وأصيل في تجربتنا البشرية.

إن العودة إلى «القراءة العميقة» ليست ممارسة ثقافية عابرة، بل فعل سيادة ذهنية وتمرد صريح على القوالب الجاهزة التي تفرضها البيئة الرقمية، وهنا تبرز الصحافة الرصينة بوصفها القائد الطبيعي لهذا التمرد المعرفي، فعندما يقرر الإنسان بمحض إرادته الانقطاع عن ضجيج التنبيهات المتلاحقة، ليغوص في مقالٍ صحفي رصين ومطول، فإنه لا يكتسب معلومة إضافية فحسب، بل يمارس «حق الخلوة الذهنية» ويعيد ترميم تلك المسارات العصبية التي أرهقها اقتصاد التشتت، ومن هذا المنظور، لا تعود الرسالة الإعلامية مجرد وسيط لنقل الأخبار، بل تتحول إلى واحة إدراكية يتحرر فيها العقل من سطوة الخوارزميات التي تملي عليه ما يرى وكيف يشعر، ليستعيد قدرته الفطرية على التفكير الخطي المتصل، وعلى الإمساك بالمعنى، وهنا تحديداً تتجلى القيمة الحقيقية للوعي في العصر الحديث، إذ إن المنافسة في توليد البيانات مع الآلة والذكاء الاصطناعي معركة خاسرة سلفاً، بينما تظل صناعة السياق هي المساحة الوحيدة التي يحتفظ فيها العقل البشري بتفوقه وسيادته، فالإنسان اليوم ـ وسط هذا الزخم المعلوماتي ـ لن يبحث عمن يضيف إلى ارتباكه تفاصيل جديدة، بل عمن ينقذه منها برؤية شاملة تعيد ترتيب العالم المبعثر في ذهنه، ليغدو دور الصحافة الحقيقية أشبه بمرساة فكرية في محيط من الوفرة، ومشرط تحليلي يحول التعقيد إلى حكمة قابلة للفهم والنمو، ويعيد للكلمة وظيفتها النبيلة بوصفها أداة لبناء المعنى، لا لإثارة الغرائز الرقمية اللحظية التي تنطفئ بانتهاء التصفح.

إن السيادة الذهنية في المشهد المعاصر تتطلب إيماناً راسخاً بأن جودة الوعي هي الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها، كما تتطلب الشجاعة الفكرية للوقوف ضد تيار التسطيح الجارف والمراهنة على «العمق» كفعل تمرد فكري وأخلاقي تقوده الصحافة المسؤولة، إننا في حقيقة الأمر لا نبحث عن مجرد معلومات، بل نبحث عن أفق أرحب للوجود، ونحن اليوم أمام فرصة تاريخية ـ في ظل وفرة الأدوات ـ لاستعادة «المركزية الذهنية» كضرورة وجودية تضمن بقاء الإنسان ككائن يفكر ويتأمل، ولا يكتفي بدور المستهلك السلبي للرموز، فالمستقبل الإعلامي لن يكون لمن يملك المعلومات الأكثر عدداً، بل لمن يمتلك القدرة الفائقة على تحويلها إلى فهم صحفي حقيقي يصنع الفارق ويحمي العقل البشري من الضحالة والتبعية التي تهدد جوهر وجودنا وحريتنا في التفكير..!