كيف تحولت علوم الأعصاب إلى اهتمام دولي يتجاوز الطب؟
بدأت علوم الأعصاب الحديثة استجابة إنسانية خالصة لمعاناة ملايين المرضى، الذين يعانون من الصرع، والاكتئاب، واضطرابات الحركة، وإصابات الدماغ الناتجة عن الحوادث أو الحروب.
كان الهدف في بدايات هذا العلم واضحاً ومباشراً: فهم آلية عمل الدماغ من أجل تطوير علاجات أكثر دقة، وتخفيف الألم، واستعادة الوظائف العصبية المفقودة، لكن هذا الهدف، مع مرور الوقت، لم يبقَ محصوراً داخل جدران المستشفيات والمختبرات الطبية.
مع تطور أدوات التصوير العصبي عالية الدقة، وتقنيات التحفيز الكهربائي والمغناطيسي، وتحليل الإشارات الدماغية، انتقلت علوم الأعصاب تدريجياً من التركيز على المرض إلى الاهتمام بالسلوك، والإدراك، واتخاذ القرار. لم يعد الدماغ مجرد عضو بيولوجي، بل غدا منظومة معقدة، تتحكم في القناعات، وردود الفعل، والخوف، والطموح، والذاكرة، وحتى الانحيازات النفسية.
في هذه المرحلة تحديداً بدأ اهتمام الدول الكبرى والمؤسسات الاستراتيجية بهذا المجال. لم يكن الدافع بالضرورة هو السيطرة المباشرة أو «التحكم بالعقول» كما تصوره بعض الخطابات الشعبوية، بل الرغبة في الفهم العميق: كيف يتخذ الإنسان قراراته تحت الضغط؟ كيف يتفاعل مع الخطر؟ كيف يمكن تعزيز الأداء الذهني لدى الجنود، أو حماية العقول من الصدمات النفسية، أو تحسين التركيز في البيئات عالية المخاطر؟
هذا الانتقال من الطب إلى السياسة والأمن لا يعني بالضرورة عسكرة العلم، لكنه يكشف عن الطبيعة المزدوجة للمعرفة، فكل تقدم في فهم الدماغ يفتح باباً للأمل والشفاء، وفي الوقت نفسه يثير أسئلة أخلاقية عميقة حول الخصوصية، وحدود التدخل، وإمكانية إساءة الاستخدام، ولهذا لم تعد علوم الأعصاب شأناً أكاديمياً بحتاً، بل ملفاً حاضراً على طاولات التشريع، والأمن، والإعلام، ومراكز صنع القرار.
المفارقة اللافتة أن هذا الاهتمام المتزايد لم ينتج حتى اليوم «سلاحاً عصبياً» بالمعنى المتداول، لكنه أنتج أسئلة أكثر خطورة من السلاح ذاته: هل يمكن فصل المعرفة عن طريقة استخدامها؟ وهل تكفي النوايا العلاجية لضمان سلامة المآلات؟
هذه المقالة لا تزعم أننا نعيش عصر التحكم بالعقول، بل تؤكد أننا نعيش عصر الاقتراب غير المسبوق من فهمها، وهو اقتراب يحمل في طياته الأمل والخطر معاً، ويضع الإنسانية أمام اختبار أخلاقي ومعرفي لم تعرفه من قبل.