المريض شريك في الحوكمة الصحية... من متلقّي خدمة إلى صانع قرار، حلمٌ شخصي للإمارات، لأنني أؤمن بأن النظام الصحي الأقوى هو الذي يسمع صوت المريض قبل أن يسمع شكواه.
حين تتحدث الدول عن «جودة الرعاية»، فهي في الحقيقة تتحدث عن شيء واحد: الإنسان، والحقيقة التي يتفق عليها العالم اليوم هي أن النظام الصحي لا يصبح عادلاً ولا مستداماً إلا عندما يتحول المريض من «متلقي خدمة» إلى شريك في الحوكمة: يشارك في التقييم، وفي تحسين المسار، وفي كشف الثغرات، وفي تطوير تجربة العلاج.
حلمي للإمارات — بدافع حبٍ راسخ وإيمانٍ عميق بأحقيتها في الريادة — أن تصبح الدولة التي تُقدّم نموذجاً عالمياً في حوكمة تشاركية: تُدار فيها المنظومة الطبية بعين الطبيب... وبصوت المريض.
1) لماذا حوكمة يشارك فيها المريض؟.. لأن كثيراً من الأخطاء لا تبدأ في غرفة العمليات، بل في مسار غير واضح: موعد متأخر، معلومة ناقصة، وصفة غير مفهومة، انتقال بين منشآت دون ملف موحد، أو تجربة مريض لا تصل إلى صانع القرار.. المريض هو أول من يلاحظ الخلل، وأسرع من يصف أثره الحقيقي، ولهذا، فإن إشراكه في الحوكمة ليس ترفاً، بل آلية حماية وتطوير.
2) الإمارات تملك الأساس الرقمي الذي يجعل الشراكة ممكنة.. لا يمكن الحديث عن حوكمة تشاركية دون بنية بيانات قوية، والإمارات تقدمت في هذا الجانب بشكل لافت: أبوظبي – «ملفّي»، وفق منصة «ملفّي»، وصلت المنظومة إلى 3.5 مليارات سجل سريري تمثل 12.7 مليون ملف مريض فريد (أغسطس 2025).
دبي – «نابض»، بحسب وكالة أنباء الإمارات، تجاوزت منصة «نابض» 10.41 ملايين سجل طبي بنهاية النصف الأول 2025، وربطت 1,888 منشأة صحية، وانضم إليها 53,659 مختصاً صحياً، مع تكامل 91 نظام سجلات إلكترونية.
الاتحاد – «ريعياتي»، وفي المستوى الاتحادي، أفاد مكتب أبوظبي الإعلامي (أكتوبر 2023) بأن منصة «ريعياتي» تجمع 2.7 مليار سجل طبي تمثل 11.6 مليون مريض من أكثر من 3,850 منشأة على مستوى الدولة.
هذه الأرقام ليست إنجازاً تقنياً فقط؛ إنها قاعدة ثقة تمكّن المريض من أن يصبح جزءاً من الحوكمة، لأن القرار سيُبنى على بيانات حقيقية ومسار واضح.
3) من الشكوى إلى المشاركة: أدوات عملية بدأت تظهر التحول الحقيقي يبدأ عندما تتحول الشكوى إلى منهج تحسين، وفي الإمارات بدأت تظهر نماذج مهمة مثل مجالس المرضى وأسرهم (Patient & Family Advisory Councils)، وعلى سبيل المثال، أعلنت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية عن استضافة جلسات لمجلس المرضى وأسرهم ضمن جهود تحسين تجربة المتعاملين (2024)، وهذه المجالس هي خطوة في الاتجاه الصحيح: نقل صوت المريض من منصة الشكاوى إلى طاولة القرار.
4) تجربة رقمية ناجحة... تثبت أن صوت المريض قابل للقياس لدبي مثال قوي على كيف تقاس تجربة المريض بالأرقام، لا بالشعارات، ووفق وكالة أنباء الإمارات (تقرير DHA عن التطبيب عن بُعد): 85% من الاستشارات عن بُعد أُنجزت خلال يومين، رضا المرضى 92%، ورضا مقدمي الخدمة 97%، وهذه الأرقام مهمة لأنها تقول إن إشراك المريض ليس تنظيراً: يمكن قياسه، وتحسينه، وربطه بالحوافز والأداء.
5) ماذا نتعلم من أمريكا وكندا؟ في الولايات المتحدة، تُستخدم مجالس المرضى والأسر (PFACs) كأداة حوكمة تشاركية، وتشير مراجعة بحثية حديثة إلى أن حوالي 54% من المستشفيات الأمريكية لديها PFACs، وهذا الرقم — رغم أنه ليس مرتفعاً — يوضح أنه حتى الأنظمة المتقدمة لا تزال تتعلم، وأن الإمارات تملك فرصة لقيادة نموذج أكثر نضجاً بسرعة.
وفي كندا، تُعرّف الهيئات الصحية مجالس المرضى كأداة رسمية لتعزيز جودة الخدمة وإشراك المرضى ومقدمي الرعاية في التحسين، والدرس هنا واضح: صوت المريض إذا أصبح مؤسسياً، يتحول إلى قوة تحسين مستمرة.
6) اقتراح عملي للإمارات حتى 2035 لكي يصبح أن المريض شريك في الحوكمة واقعاً ثابتاً، أقترح مساراً واضحاً بثلاث طبقات:
1. مجالس مرضى وأسر في كل مستشفى كبير + ربطها بمؤشرات التحسين.
2. مؤشرات معلنة لتجربة المريض (وقت الانتظار، وضوح الخطة العلاجية، حل الشكاوى، رضا التطبيب عن بعد...).
3. إغلاق حلقة التغذية الراجعة: المريض لا يشارك فقط، بل يرى أثر مشاركته في قرار أو تغيير.
هذا ما سيصنع الفارق بين رضا مؤقت وثقة مستدامة.
وتمكين المريض في العلاج خطوة، لكن تمكينه في الحوكمة هو قفزة حضارية، والإمارات تملك اليوم قاعدة رقمية قوية، وتجارب نجاح قابلة للقياس، وبدايات مؤسسية لمجالس المرضى... وكلها تجعل الحلم واقعياً:
أن تصبح الإمارات بحلول 2035 الدولة التي تقول للعالم:
هنا... المريض ليس ملفاً طبياً فقط، بل شريك في القرار.
المقال القادم (13/15):
رعاية كبار السن والرعاية طويلة الأمد... استعداد مبكر لمستقبل ديموغرافي مختلف