حكمة القيادة: من زايد المؤسس إلى محمد بن زايد

في مجلس بسيط تحيطه الرمال، جلس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يستمع قبل أن يتكلم، بينما كان رجلان يختلفان وكلٌّ منهما يرى أن الحق معه، فسكن المجلس.. صمتٌ ظنه الحضور تأخراً في الحكم، غير أنه كان حكمة تسبق الكلمة.

وحين تكلم قال بهدوء إن الأرض لا تثمر إن سُقيت بالغضب، ولا تُبنى الأوطان إلا بسعة الصدر، وإن من أراد حقه وحده خسر غيره، ومن أراد الخير للجميع كسب المستقبل، فما إن انقضت كلماته حتى زال الخلاف، وخرج الرجلان وقد انطفأ النزاع، وبقيت تلك الكلمات تعمل في النفوس بصمت، تبني ما تعجز عنه القوة، لتغدو حكمته الخالدة أن القلوب إذا اجتمعت صارت الأوطان أعظم.

وفي زمن تختبر فيه الأمم معادنها، وتُوزَن فيه القيادة بقدرتها على صون المصير لا افتعال الصدام، تبرز الحكمة بوصفها أعلى أشكال القوة وأدقها أثراً؛ فهي ليست خياراً مريحاً، بل قرار شجاع، وليست مهادنة، بل سيادة عقل يرى أبعد من اللحظة وأعمق من الانفعال

وهكذا علمنا التاريخ، وهكذا رسخ الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أن القيادة الحقة تبدأ بالاستماع، وأن الاتزان في أوقات التوتر أعظم من الانتصار في أوقات السكون، وأن الكلمة حين تقال في وقتها قد تغير مسار أمة.

وها نحن اليوم أمام امتداد طبيعي لتلك المدرسة القيادية، يؤكد أن الحكمة لا تنقطع ما دام في الأمة قادة يدركون ثقل القرار وقدسية المسؤولية. وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يقدم للعالم نموذجاً راسخاً في القيادة المتزنة، تتجلى حكمته في الجمع بين الحزم والاتزان، وبين وضوح الموقف وسعة الأفق

فهي ليست حكمة اللحظة ولا ردة فعل لحدث، بل حكمة رؤية بعيدة تقرأ ما وراء الوقائع ، حكمة لا تنفعل مع الضجيج ولا تنجر خلف الاستفزاز، بل تمضي بثبات نحو ما يحفظ الإنسان ويصون الوطن ويوازن بين المصالح والمبادئ.
وقد أثبتت مواقفه أن القوة الحقيقية لا تكمن في التصعيد، بل في القدرة على الاحتواء، ولا في رد الفعل السريع، بل في القرار المدروس المبني على معرفة عميقة بالتاريخ، وفهم دقيق لتعقيدات الحاضر، واستشراف واعٍ للمستقبل.

لذلك جاءت قيادته عنواناً للاتزان، ورسائله واضحة بأن السلام خيار الأقوياء، وأن شموخ الموقف لا يتعارض مع الحكمة بل يكتمل بها، وأن القيادة ليست اندفاعاً بل مسؤولية، وليست سلطة مجردة بل أمانة أخلاقية وإنسانية. فحين تتعقد الأزمات تتبسط رؤيته، وحين تتشابك المصالح يقدم الإنسان قيمة عليا، ويجعل من الحوار جسراً، ومن العقل مرشداً، ومن الثبات ضمانةً لهيبة القرار.

وهكذا لم تكن حكمته موقفاً عابراً، بل نهج دولة ومدرسة قيادة ترى في الاستقرار أساس التنمية، وفي وحدة الصف قوة الوطن، وفي احترام الآخر طريقاً لصون المصير.

وفي الختام، ومع مطلع هذا العام الجديد، نسأل الله أن يحفظ لنا قائدنا ووالدنا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وأن يحفظه بعينه التي لا تنام، ويؤيده بالحكمة والسداد، ويجعله ذخراً للإمارات، وسنداً لأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والعز والاستقرار. فبالحكمة تُحمى الأوطان، وبالقادة الكبار يصنع التاريخ، فاشهد يا تاريخ أن القادة العظام يُعرَفون عند اضطراب الأمواج، لا عند سكونها.