كانت تلك الخطوة المبكرة من الدلائل الأولى التي أثارت الشكوك حول تطبيق النية المبيتة منذ عقود لاقتلاع الغزيين وتهجيرهم.. ولم نلبث إلا بعض الوقت حتى تحول الشك إلى يقين بإفصاح كل المتنفذين في تل أبيب تقريباً عن تبنيهم التهجير سياسة عامة يتعين تمريرها بأي ثمن.
ولعلها محبطة لطموحات الإسرائيليين ومراداتهم التي سخروا لأجلها كل وسائلهم القسرية أساساً والناعمة الطوعية شكلاً، ولا بد أن مشاعر الإحباط تتعمق لديهم أكثر، كلما استذكروا ما ترتب على هذه السياسة جراء جولة الصراع عام 1948 - 1949 التي شهدت لجوء ونزوح ما يقرب من 80% من عموم الفلسطينيين!
«هذه ليست موجة عابرة وإنما تسونامي من الذين يتركون البلاد». وفي المداولات النيابية، أكد الرجل ولجنته أنهم لا يملكون خطة لمواجهة الخروج بأعداد لا سابقة لها منذ نشأة إسرائيل.
لم يحدث أن واجهت نخب السياسة والحكم الإسرائيلية هذه المعادلة بشقيها الخطيرين معاً، على غرار ما يحدث منذ أكتوبر 2023. هذا قولهم بأفواههم وبإحصاءاتهم.
ونحسب أن استعصام الغزيين بأرضهم ومساقط رؤوسهم رغم الحمم التي صبت عليهم، مستأصلة كل مظاهر عمرانهم بحيثية مروعة، يؤذي هذه النخب ويقض مضاجعهم، وربما يؤذيهم ويغضبهم أيضاً أن يتوازى هذا التمترس الفلسطيني.
ويتزامن مع جنوح جماعات من الإسرائيليين للهجرة والمغادرة، رغم الفارق المذهل في موازين القوى الصلبة الذي يهيئ لهم بيئة أمنية لا يحلم بها الفلسطينيون جميعهم، وليس أهل غزة فقط.
لا تنبعث هذه الأشواق فقط من الصلة العضوية التاريخية الطبيعية بالوطن والرغبة العارمة في لم الشمل معه عاجلاً غير آجل، وإنما تتعمد أيضاً بأصداء الحمولة السلبية للتجارب الفلسطينية العامة مع اللجوء. وببعض التأمل تنجلي أمامنا الفوارق بين سياق لجوء الغزيين، بل والفلسطينيين أجمعين، وبين سياق خروج الإسرائيليين.
بهذا الخصوص ينبغي أن نلحظ مثلاً وبإيجاز شديد كيف يفتقر الغزيون تماماً لوطن غير وطنهم وجنسية غير جنسيتهم، كما يفتقرون لتاريخ وإرث مجتمعي غير ما صنعوه وعرفوه أجيالاً متطاولة، بحيث إنهم خارج هذا الوطن أغراب ولاجئون حرفياً، فيما يحظى أكثر من مليون و700 ألف إسرائيلي بجنسيات أوطان وجوازات سفر وذاكرات جمعية أخرى.
ومن المقدر أن عناصر هذه الكتلة الواسعة هم المرشحون أكثر من غيرهم في الدولة لإغراء الخروج في أوقات الأخطار الطارئة، على اعتبار أن تدبر شؤونهم وانغماسهم في العوالم المستقبلة لهم أمور ميسورة، وأن هذا الخروج، طبقاً لبعض الرؤى، ما هو إلا عملية عودة وانتقال سلس لأوطان تخصهم، لا تنطوي على مهانات اللجوء ومراراته.
وفي كل حال، يبقى حل الدولتين الضمانة المثلى حتى الآن لمعالجة القلق وعدم الاطمئنان والحراك السكاني المزمن والمؤلم على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.