هذا هو الدرس الثامن والعشرون من دروس كتاب «علّمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حيث يُبحر بقرّائه نحو الشرق الأقصى ليتوقّف بالتحليل والنقد والتوجيه مع واحدٍ من أقسى المراحل التاريخية الّتي مرّت بها دولة الصين في المرحلة «1839 - 1949م» وهو ما اصطُلح على تسميته بقرن الإذلال الوطني.

وهو ما يسمّيه صاحب السمو بقرن الألم، حيث مرّت الصين بمرحلةٍ تكالبت فيها عليها الأعداء من كلّ حدبٍ وصوبٍ وتمّ استعمارها وتركيعها ضمن مؤامرةٍ قامت بها مجموعة من الدول الكبرى كما سيأتي بيانه فيما نستقبل من هذه الكلمة الّتي تحاول إضاءة هذا الدرس الثمين من دروس هذا الكتاب الشاهد على هذا العصر، المشتمل على الكثير الكثير من الدروس والعِبَر الّتي تستفيد منها جميع الأجيال وهي تستلهم دروس هذا المعلِّم الكبير الذي ما زال يحمل أمانة النُّصح والإرشاد لأبناء هذا الوطن الطيّب الأصيل.

«من أعجب ما سمعتُ وقرأتُ: قرنُ الإذلال الوطني، وهو تاريخُ قرنٍ كاملٍ من الذُّلِّ والمهانة في الصين، يتمّ تدريسه في المدارس للطلاب، ويتمّ إنتاج الوثائقيّات عنه في الإعلام، ويتمّ استحضاره وتذكّره في المناسبات الوطنيّة الصينيّة، وكأنّها تقول لأجيالها الجديدة: ليس مرّة أخرى» بهذه الكلمات الّتي تحمل في طيّاتها تعاطفًا ضمنيًّا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع المعاناة الّتي عاشتها الصين خلال هذا القرن العجيب الاسم والمحتوى يفتتح صاحب السمو حديثه عن هذه المرحلة التاريخية من العصر الحديث، ويلاحظُ المدقِّقُ في كلام صاحب السمو استنكاره لهذه الحالة المؤلمة في تاريخ هذه الامبراطوريّة المستهدفة.

لكنّ العزاء في كلام صاحب السمو هو إشارته إلى اليقظة الروحيّة والثقافيّة لدى الصينيين الّذين لم ينسوا هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ بلدهم، وكيف أنّهم يعملون على حفرها في الذاكرة لكي تظلّ الأجيال متوقّدة الذاكرة رافضةً لتكرار هذه المرحلة الجارحة للقلب، رافضةً لكلّ الظروف الّتي قد تؤدِّي إلى الرجوع إلى تلك الذكرى المؤلمة.

يتتبع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الجذور التاريخية لهذه المرحلة المُهينة في تاريخ العلاقات بين إمبراطوريّة الصين والإمبراطوريّة البريطانية والتي ابتدأت تاريخيًّا عام 1839م فيما يُسمّى بحرب الأفيون الأولى بين الدّولتين حيث نشطت العلاقات التجاريّة بين الامبراطوريّتين مع رجحان الميزان التجاري لصالح الصّين الّتي كانت تصدّر الشاي والخزف والحرير إلى بريطانيا في حين كانت مستورداتها من بريطانيا قليلة.

الأمر الّذي أدّى إلى حصول عجزٍ تجاريٍّ كبير لدى بريطانيا الّتي كانت تدفع للصين بعملة الفضّة مقابل السِّلع الصينيّة، مما خلق حالة من الضيق والقلق والشعور بالغُبن لدى النخبة السياسيّة في بريطانيا الّتي بدأت تبحث عن حلٍّ اقتصاديّ لهذه المعضلة، وتفتّق الدّهاءُ الإنجليزي عن ضرورة إغراق الصين بالأفيون الّذي كانت تنتجه جارتها الهند حين كانت تحت السّيطرة البريطانيّة، فكان الأفيون هو السلعة الجديدة التي أغرقت الأسواق الصينيّة بطريقة غير قانونيّة مما أدّى إلى حالة إدمان لدى الشعب الصيني الّذي كان يدفع الفضّة في مقابل الحصول على الأفيون.

لم تقف الصين مكتوفة الأيدي تجاه هذه المخاطر الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتحرّكت بكلّ قوّتها لحظر مادة الأفيون وقامت بتدمير كميّاتٍ كبيرةٍ منه، وقامت بإرسال رسالة للملكة فكتوريا ملكة بريطانيا للمطالبة بوقف تجارة الأفيون، لكن الردّ لم يحصل بطريقةٍ دبلوماسيّة بل جاء على شكل حملةٍ عسكريّةٍ بحريّةٍ كبيرة تتألّف من الأساطيل الّتي قامت باحتلال الموانئ الصينيّة الرئيسيّة.

واستولت على هونغ كونغ، وأجبرت الصين على توقيع معاهدة استسلام تُفتح بموجبها الموانئ الصينيّة لاستيراد الأفيون، ومواصلة التجارة غير القانونيّة بل وصل الأمر في الإذلال إلى حدّ دفع تعويضاتٍ ماليّةٍ ضخمة لبريطانيا، مما شكّل شرخًا وجرحًا عميقًا في الكبرياء الصينيّ بحسب عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الّذي يقرأ هذا الحدث بروح التعاطف مع الطرف المظلوم.

لم تتوقّف الأمور عند هذا الحدّ من الإذلال، ولم تتوقّف وتيرة الهزائم والانكسارات في مسيرة الصين، فبعد خمسة عشر عامًا من الحادثة السابقة قامت «حرب الأفيون الثانية».

حيث اشتركت بريطانيا وفرنسا في هذه المرّة في غزو الصين، حيث تذرّعتا بحادثةٍ هامشيّةٍ تمثّلت في مصادرة السُّلطات الصينيّة لسفينةٍ تجاريّةٍ صغيرة اتّهمتها السلطات الصينيّة بالقرصنة وكانت تحملُ العلَم البريطاني.

فاعتبرت بريطانيا أنّ في مصادرة هذه السفينة انتهاكًا لكرامتها السياسيّة، فقامت هذه الحرب الّتي كانت نتيجتها سيطرة كاملة على التجارة وعلى جميع المواقع الاستراتيجية في الصين مع دفع تعويضاتٍ ضخمة أثقلت كاهل الصين، مع حرق القصر الامبراطوريّ الّذي هو أحد الرموز الثقافيّة الكبرى في الحضارة الصينيّة.

فازداد الإحساسُ بالجرح والشّرخ داخل الروح الصينيّة المكلومة، ثم ازدادت الأمور سوءًا حين قامت اليابان بغزو الصين عام 1931م، وبلغ الغزو ذروته عام 1937م، حيث شهدت هذه الحرب واحدة من أبشع مجازر الحروب، حيث ذهب مئات الآلاف من الصينيين كضحايا لهذه الحرب الّتي عمّقت الإحساس بالذُّلِّ داخل الروح الصينية، وزاد معها نزيف الكبرياء الوطني.

لكنّ الصين كانت على موعدٍ مع الحريّة، ففي العام 1949م قامت ثورة الصين الكبرى على يد الزعيم ماو تسي تونغ، الذي رفع شعار «لقد نهض الشعب الصينيّ»، الّذي خلّص بلاده من هذه المرحلة القاتمة في تاريخ الصين الحديث.

وانطلق معه عصر الصين في خطواتٍ واثقة نحو موقعها الصحيح بين القوى العالميّة الكبرى، فضلاً عن موقعها الاقتصاديّ المتقدّم الّذي أصبحت تنافس من خلاله الغرب المتقدّم الّذي يراقبُ بغير قليلٍ من الحذر صعود الصّين العظيم في جميع مجالات الحياة.

لكنّ الدرس العميق الّذي أضاءه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هذا الحدث التاريخي المؤلم هو أنّ الذاكرة الصينيّة ظلت محتفظة بهذا القرن المؤلم من قرون الألم والذُّلّ، وجعلت دراسة هذه الفترة دراسة إلزاميّة في المدارس كي يعرف الطلبة أنّ ضعف الأمّة مهانة، وهشاشتها الداخلية طريقٌ لتدخُّل الأجنبيّ فيها وإذلال أهلها بحسب عبارة صاحب السمو الذي تلوح عليه مخايل الألم من هذه المرحلة السّوداء في تاريخ الصين.

ولذلك ذكر كلمةً عميقة التأثير للرئيس الصيني الحالي شي جين بينج يقول فيها: «نسيان التاريخ خيانة» ولعُمق هذه الكلمة وصدقها تمّ جعلُها عنوانًا لهذه المقالة الّتي تضيء هذا الدرس العميق من دروس كتاب «علّمتني الحياة».

وتعقيبًا على هذه الحادثة التاريخيّة الكبرى في تاريخ الصين المعاصر يقولُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «والسؤال الذي يدور في الذهن، ماذا يمكن للعرب أن يتعلّموا من هذه التجربة الصينيّة ؟

وكيف يمكن أن نستثمر ذاكرتنا التاريخيّة للعودة من جديد واستئناف حضارتنا ؟» ليكون هذا السؤال العميق تجسيدًا وتعبيرًا عما يحمله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هموم هذه الأمّة الّتي ينتمي إليها بقلبٍ لا يعرفُ إلا الحُبّ والوفاء لتاريخها الحضاريّ العظيم.