أين يكون التراث حين يغيب عن حياة الناس؟.. سؤال يضعنا أمام مسألة فلسفية عميقة تتعلق بالذاكرة والوجود والزمن.. فقد تنقطع ممارسة اجتماعية قروناً، ويختفي آخر من عرفوا أسرارها، وتفقد أدواتها وظائفها الأصلية، ثم تعود بعد أجيال يستعيدها مجتمع من الشواهد التاريخية والروايات المتبقية.. فهل عاد التراث نفسه، أم نشأت ممارسة جديدة تستمد هويتها من ماضٍ لم يعشه أصحابها؟
أجد في هذا السؤال مدخلاً لإعادة النظر في مفهوم الاستمرارية التراثية.. فنحن نربط بقاء التراث باستمرار ممارسته، ونعد توقفها علامة على اندثاره.. غير أن التاريخ الثقافي يكشف حالات أكثر تعقيداً؛ فقد تبقى المعرفة بعد اختفاء أصحابها، وتستمر الطقوس بعد فقدان معانيها الأولى، ويحتفظ المجتمع بذاكرة ممارسة توقفت منذ زمن بعيد.. وهنا تتباعد ثلاثة أزمنة: النشأة والانقطاع والاستعادة، ولكل منها أثر في تحديد ما يبقى من التجربة الأصلية وما يتغير فيها.
وقد تناول الفيلسوف مارتن هايدغر مفهوم الحدث في بحثه في الوجود وانكشاف المعنى، بينما اهتم هانز جورج غادامير بعلاقة الفهم بالتاريخ، وكيف يقرأ الإنسان الماضي من أفقه المعاصر.. وتساعدنا هذه المقاربات على تأمل حضور التراث في التجربة الإنسانية، لكنها تترك أمامنا سؤالاً يستحق مزيداً من البحث: ما الذي يستمر من التراث خلال غياب ممارسته، وكيف تتحدد صلته بأصله التاريخي عند استعادته؟
لنتأمل قصيدة شعبية بقيت في مخطوط قديم، بينما غاب لحنها وطريقة إنشادها عن الذاكرة.. وبعد قرنين، يعثر باحث على النص، ويقدمه فنان بلحن مستحدث. القصيدة حاضرة بكلماتها، لكن تجربة جمهورها الأول غائبة.. وقد يتعرف المجتمع إلى العمل الجديد باعتباره امتداداً لتراثه، رغم اختلاف الصوت والإيقاع والظروف الاجتماعية.. تكشف هذه الحالة أن الاستمرارية الثقافية تتعلق ببقاء النص والمعرفة والممارسة والمعنى بدرجات متفاوتة.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما تستمر الممارسة في صورتها الخارجية وتنقطع صلتها بالمعرفة التي أنشأتها.. فقد يؤدي أشخاص طقساً قديماً أمام الجمهور، محافظين على حركاته وأدواته، دون إدراك وظيفته الاجتماعية الأولى.
وفي المقابل، قد تتوقف ممارسة أخرى بينما يحتفظ المجتمع بمعارفها وقيمها شفهياً حتى تتاح فرصة العودة إليها. وهكذا قد يجتمع الحضور المشاهد مع انقطاع المعنى، وقد يستمر التراث في الذاكرة رغم غيابه عن المشهد.
وتقودنا هذه المفارقة إلى التمييز بين الاستمرار والاستعادة وإعادة التكوين.. فالاستمرار يفترض صلات تاريخية بين الأجيال، والاستعادة تعتمد على معرفة بقيت بعد توقف الممارسة، أما إعادة التكوين فتستعين بالشواهد والخيال المعاصر لإنتاج تجربة تختلف عن أصلها.. وقد ينشأ الانقطاع بفعل الهجرة أو التحولات الاقتصادية أو تغير اللغة، وقد يكون نتيجة قرار اجتماعي بالتخلي عن عادة فقدت قيمتها.. ولذلك ينبغي فهم أسباب الغياب قبل التفكير في الإحياء.
وتقدم الإمارات مجالاً ثرياً لهذا التأمل، بما شهدته من تحولات اجتماعية وعمرانية واسعة.. فقد تغيرت أنماط الحياة والعمل والسكن خلال عقود قليلة، بينما استمرت الذاكرة الثقافية في اللغة والحكايات والعلاقات الأسرية والقيم الاجتماعية، وفي موروث أعادت الأجيال تفسيره وفق ظروفها.
وتمنحنا فعاليات نوفمبر الثقافية والتراثية الحالية فرصة لتأمل هذه العلاقة بين الذاكرة والحضور، ففي سوق القطارة بالعين، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، والأنشطة التي تحتضنها أبوظبي وسائر إمارات الدولة، تتجاور شواهد الماضي مع تجارب الحاضر.
ومع اقتراب الثاني من ديسمبر، عيد الاتحاد، تتعمق دلالة هذه اللقاءات؛ إذ يستحضر المجتمع تاريخه المشترك ويعيد قراءة التجارب التي أسهمت في تكوين هويته.. فكيف يستطيع حدث تأسيسي وقع قبل خمسة وخمسين عاماً أن يظل حاضراً في وعي أجيال لم تعشه؟
أرى أن أمام البحث التراثي الإماراتي فرصة لدراسة الفترات التي غابت فيها بعض الممارسات، والوسائط التي حفظت آثارها، والظروف التي سمحت بعودتها.. ويمكن تتبع المعرفة المتبقية في الروايات والوثائق والذاكرة العائلية، ومقارنتها بالممارسات المعاصرة لفهم ما استمر وما تغير، مع الإصغاء إلى المجتمعات المعنية وتصوراتها لتراثها.
وأعود إلى السؤال الأول: أين يكون التراث حين يغيب؟.. لعل الإجابة تكمن في طبيعة الصلات التي تبقى بين الإنسان وماضيه، وفي قدرته على استعادة المعاني وإعادة تفسيرها.
ومع اقتراب عيد الاتحاد، يتجدد سؤال موازٍ: كيف يظل الثاني من ديسمبر 1971 حاضراً في حياة من وُلدوا بعده بعقود؟.. إن الأجيال الجديدة تعرف الاتحاد من خلال التاريخ والذاكرة والمؤسسات والتجربة الوطنية اليومية.. وفي هذه العلاقة بين الحدث الأول والحياة التي تواصلت بعده، تتجلى قدرة المجتمع على حمل تاريخه إلى المستقبل، بما حفظه من معانٍ وما أضافه إليها عبر الزمن.