هناك صراع على العقل العربي.. يصعب إنكار ذلك أمام الشواهد، وإن كان من المستحيل تقريباً إحصاء وسائل التأثير التي يتعرض لها الإنسان العربي كل يوم. محطات مرئية ومسموعة، وصحف، ومواقع إلكترونية، وحسابات لا نعرف أصحابها... ودول تخاطبنا بلغتنا، تحمل إلينا أخبارها وتفسر لنا العالم، وتسعى إلى تعظيم مصالحها في وعينا، وتقترح كأنها مصالحنا نحن.
وجود هذه الوسائل ليس المشكلة في ذاته.. فمن حق الدول أو الأفراد أن تعرض وجهات نظرها، ومن حق المواطن أن يطلع عليها. المشكلة تبدأ عندنا حيث يغيب التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والدعاية.. بين المصلحة والحقيقة على الأرض، يقرأ أحدنا خبراً يوافق موقفه، فيعيد نشره ويعتبره الحقيقة، قبل أن يسأل عن مصدره.. وقد يرفض خبراً موثقاً لأنه يزعج قناعته.. هكذا يصبح المتلقي شريكاً في تضليل نفسه، وربما فعل ذلك وهو يعتقد أنه يكشف الحقيقة.. من تجربة نتحدث عن التشدد ونبذ الآخر، فتجد صديقاً يعارضك فقط لأن التشدد موجود في مجتمع آخر تعبيراً عن خطأ القياس المنطقي!
يمكن تسمية هذه الحالة تلوثاً إعلامياً.. وهي ليست خاصة بالفضاء العربي، لكن عدم قدرتنا على مواجهتها تستحق السؤال.. فالخبر المقتطع والصورة القديمة التي تقدم باعتبارها جديدة، والتعليق الذي يتحول بالتكرار إلى واقعة، كلها تدخل في تشكيل الموقف العام.. ولا يحتاج مروجها إلى إقناع الجميع، يكفيه أن يزرع الشك، وأن يجعل الناس عاجزين عن التمييز، فيستوي عندهم الصحيح والمختلق.
وتتعرض دول الخليج ومجتمعاته لنصيب كبير من خطاب الكراهية قليل منه يستحق المناقشة، وكثير منه تنمّر غايته تحقير المجتمع وتسفيه ما أنجزه. وهناك من يفسر هذا الاستهداف بنجاح النموذج التنموي الخليجي.. قد يفسر النجاح جانباً من العداء، لكنه ليس تفسيراً كافياً لكل موقف، فثمة مصالح سياسية وخلافات فكرية وصور قديمة يجري استدعاؤها، مواجهته تحتاج إلى فهم دوافع خصومنا وكشفها، لا الاكتفاء بوصف نياتهم.
المؤسف أن تجد حملات التشويه من يحتضنها حتى داخل المجتمع نفسه.. ليس كل من يرددها صاحب غرض فقد يكون قليل المعرفة، أو غاضباً من تجربة شخصية، أو راغباً في الظهور بمظهر المختلف.. لكنه ينقل حكمه على واقعة محددة إلى وطن كامل.. ومن الضروري أيضاً ألا نجعل هذا السلوك ذريعة لاتهام كل ناقد.. فالنقد الذي يحدد الخلل ويسند قوله إلى وقائع يساعد المجتمع، أما الشيطنة فتبدأ بحكم جاهز ثم تبحث عما يخدمه.
هنا نصل إلى الحصانة المعرفية.. وهي قدرة الفرد على فحص ما يسمعه، ومعرفة حدود ما يعرفه، والاستعداد لتصحيح رأيه.. لا تنتج هذه القدرة من كثرة الشهادات وحدها.. قد يحمل الإنسان شهادة عالية، ويصدق رواية هشة لأنها توافق هواه.
وقد تسهم بعض وسائل إعلامنا في إضعاف تلك الحصانة عندما تحجب معلومة متاحة، أو تقدم تفسيراً لا يقبله العقل، أو تقدم خبراء (قليلي تجربة) وفطنة! المواطن سيبحث في مكان آخر، وقد يمنح ثقته لمن يخلط بذكاء خبراً صحيحاً باستنتاج مضلل.. لذلك فإن إتاحة المعلومات في وسائل إعلامنا تمنع شيوع التشويه وشرح القرارات والاعتراف بالخطأ إن وجد شروطاً لبناء الثقة.
ولا تستطيع وسيلة إعلامية أن تطالب الجمهور بتصديقها إلى الأبد اعتماداً على صفتها الرسمية أو الوطنية.. نحتاج إلى تعليم يدرب على التحقق، وإعلام يحترم ذكاء المتلقي، وإعلاميين لهم حصيلة عالية من المعرفة، ونقاش عام يسمح بالاختلاف دون تخوين.
كما نحتاج إلى مواطن يسأل نفسه قبل إعادة النشر: كيف عرفت أن هذا صحيح؟ سؤال بسيط، لكن غيابه يفتح الباب واسعاً لمن يريد تشكيل وعينا وفق مصالحه.. فالعقل الذي لا يمارس الفحص يسهل أن يستعير أحكام الآخرين، ثم يدافع عنها كأنها خلاصة تجربته.. فمن لا يفحص المعلومة قد يخدم من يضلله.
