في نهاية السبعينيات من القرن الماضي وبداية الثمانينات، وفي إحدى العمارات الشامخة المطلة على بحيرة خالد في الشارقة، احتل أحد التجمعات الثقافية المبكرة في الإمارة ودولة الإمارات طابقاً كاملاً من المبنى، ذلكم هو «النادي الثقافي الاجتماعي»، الذي كان في حقيقة الأمر فرعاً وامتداداً للنادي في مقره الرئيس بأبوظبي، والذي أسسته نخبة من المثقفين، كان بعضهم من موظفي وزارة الخارجية ومنتسبيها.
في الشارقة أقام النادي ندوات ومحاضرات ذات طابع نوعي، حظيت بحضور مميز من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، وأتذكر أنني تشرفت بعضوية مجلس إدارته أميناً للسر، وكان من أعضائه، إلى جانب آخرين، المرحوم الشاعر ورجل الأعمال سلطان بن خليفة الحبتور، مالك المبنى الذي تبرع بطابق كامل منه للنادي، وكذلك راشد الغزال وعبدالمحسن النومان وعبدالله العباسي، الذي كان دينامو النشاط الثقافي فيه إلى جانب أعضاء آخرين.
ومن أهم إنجازات النادي أنه أقام أول معرض للكتاب، تحت اسم «معرض الكتاب العربي»، في أوائل العام 1980، وفي دورته الأولى أقيم المعرض المتواضع في مقر النادي نفسه، في جانب من مكتبته، بالتعاون مع المثقف والمفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد، الذي كان يعمل في وزارة الخارجية، ويمتلك مكتبة كبيرة في أبوظبي.
وقد شهد المعرض إقبالاً مشجعاً من محبي القراءة، ما دفعنا في النادي إلى تنظيمه لاحقاً في مركز إكسبو الشارقة، بمساعدة المرحوم الشيخ أحمد بن محمد القاسمي، الذي كان حينئذ رئيساً لدائرة الثقافة، وحظي المعرض بشرف افتتاحه من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وصاحبته فعاليات ثقافية، شارك فيها ضيوف من الدول العربية، أذكر منهم الشاعر محمود درويش، والمفكر إلياس مرقص وغيرهما.
حقق المعرض نجاحاً فاق توقعاتنا، وكشف عن حاجة حقيقية إلى مثل هذه التظاهرات الثقافية، وعن شغف بالكتاب والقراءة كان ينتظر الفرصة ليعبر عن نفسه، ومن هنا انتقلت مسؤولية تنظيم المعرض من النادي الثقافي الاجتماعي إلى دائرة الثقافة في الشارقة، لينمو عاماً بعد عام، وينطلق رسمياً عام 1982 تحت مسمى معرض الشارقة الدولي للكتاب.
تلك كانت البدايات غير الرسمية للمعرض، الذي لم يعد اليوم مجرد مكان لعرض الكتب وبيعها، بل تحول إلى مؤسسة ثقافية عالمية، وإلى واحد من أبرز المواعيد السنوية للكتاب والناشرين والمؤلفين والقراء، وها هي دورته الخامسة والأربعون تستقطب أكثر من ثلاثة آلاف ناشر وعارض من 126 دولة، في مشهد يصعب مقارنته بذلك المعرض الصغير الذي احتضنته مكتبة النادي قبل نحو نصف قرن.
ولم يتوقف نجاح المعرض عند استقطاب العالم إلى الشارقة، بل امتد إلى الحضور في معارض الكتاب والمحافل الثقافية الدولية، من فرانكفورت ولندن وبولونيا إلى بكين وغيرها، ومن خلال هذه المشاركات، وما رافقها من مبادرات للترجمة والنشر والتبادل الثقافي، أسهمت الشارقة في نقل صوت الإمارات الثقافي إلى العالم، وفتحت أمام الكتاب العربي آفاقاً جديدة للتواصل مع القراء والناشرين في ثقافات ولغات مختلفة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أن وراءها حاكماً ليس مجرد راعٍ للثقافة، بل هو نفسه كاتب ومؤرخ ومثقف، ينتمي إلى عالم الكتاب والفكر، ويعرف قيمة المعرفة في بناء الإنسان والمجتمع.
لقد آمن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بالكتاب منذ البدايات، وظل يمنح هذا المشروع من اهتمامه ورعايته ما كفل له الاستمرار والنمو، حتى أصبح أحد المعالم الثقافية التي تعرف بها الشارقة في العالم.
واليوم، ونحن نشهد هذا الحضور العالمي للمعرض، لا يسعنا إلا أن نوجه تحية تقدير وامتنان إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وإلى جميع القائمين على المعرض، وفي مقدمتهم سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، وأحمد بن ركاض العامري، الرئيس التنفيذي للهيئة، وكل من عمل ويعمل على تطويره وإنجاحه، كما نستذكر بالوفاء أولئك الذين أسهموا في بداياته المتواضعة، وبعضهم غاب عنا، لكن أثرهم وذكراهم باقيان، فما بدأ في زاوية صغيرة من مكتبة نادٍ ثقافي على بحيرة خالد أصبح اليوم نافذة واسعة، تطل منها الإمارات بثقافتها وكتابها ومبدعيها على العالم، وما أجمل أن نرى حلماً صغيراً كنا جزءاً من بداياته يكبر أمام أعيننا، ويصبح إنجازاً نفخر به جميعاً.
