لا تُقاس قوة المؤسسات بما تمتلكه من موارد وإمكانات فحسب، بل بما تتمتع به من ثقة في علاقاتها الداخلية والخارجية. فهناك أصول معنوية قد تفوق في قيمتها ما تمتلكه المؤسسة من موارد مادية، وفي مقدمتها الثقة؛ ذلك الرصيد الذي يتراكم عبر سنوات من المُمارسات، وقد يتعرض للاهتزاز عندما تتناقض الأفعال مع الوعود.
ولعل النظر إلى الثقة بوصفها رأس مال يتجاوز الموارد والإمكانات، يجد صداه في رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في كتاب «الرسائل»، الجزء الثاني من «علّمتني الحياة»، الذي يضم 26 رسالة تختزل خلاصة ستة عقود من العمل العام. ففي رسالته المعنونة «عملة المستقبل»، يؤكد سموه أن «العملة التي نراهن عليها هي الثقة»، مشيراً إلى أنها تُكتسب عبر سنوات طويلة من العمل والجهد.
هذه الرؤية، وإن جاءت في سياق أوسع، إلا أنها تحمل مضموناً إدارياً يستحق التأمل؛ فالمؤسسات، شأنها شأن المجتمعات، لا تستطيع أن تبني نجاحاً مُستداماً من دون رصيد متراكم من الثقة.
تبدأ الثقة المؤسسية من الداخل، حيث تتشكل العلاقة اليومية بين المديرين والموظفين. فالمدير الذي يثق بموظفيه يمنحهم مساحة للمبادرة، ويشجعهم على تحمل المسؤولية، ولا يجعل الرقابة بديلاً عن التمكين. وفي المقابل، فإن الموظف الذي يثق بمديره يكون أكثر استعداداً للمُصارحة، وتبادل الأفكار، وقبول التوجيه، ومواجهة تحديات العمل بروح إيجابية.
وهنا تصبح الثقة علاقة متبادلة، لا امتيازاً يمنحه طرف للآخر، ولا غطاءً للتهاون أو غياب المُساءلة.
أما البعد الثاني، فيتجسد في الثقة المتبادلة بين المؤسسة ومُتعامليها. فالمُتعامل لا يحكم على المؤسسة من خلال جودة خدماتها فحسب، بل من خلال صدق وعودها، ووضوح إجراءاتها، وعدالة تعاملها، وقدرتها على تصحيح أخطائها.
والمؤسسة التي تثق بمتعامليها لا تنظر إليهم باعتبارهم مجرد مصدر للشكاوى، وإنما شركاء يستحقون الاحترام والتقدير. تستمع إلى آرائهم، وتستفيد من ملاحظاتهم لتطوير خدماتها، مما يعزز الثقة المتبادلة، في حين أن الممارسات التي تتناقض مع القيم المعلنة قد تؤدي إلى تراجعها.
ويمتد البعد الثالث إلى أصحاب المصلحة، من شركاء استراتيجيين وموردين وجهات تنظيمية ومجتمعية، وغيرهم ممن يتأثرون بأنشطة المؤسسة أو يؤثرون في قراراتها. وهنا لا تُبنى الثقة على تبادل المنافع وحده، بل على الشفافية، واحترام الالتزامات، ومُراعاة المصالح المشروعة، والقدرة على إدارة الاختلاف من دون الإضرار بالعلاقات.
غير أن هذه الأبعاد الثلاثة لا تعمل بمعزل عن محيطها؛ فهي جزء من منظومة أكبر للثقة تتشكل داخل البيئة الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية التي تعمل فيها المؤسسة. فكلما اتسمت هذه البيئة بالاستقرار والمصداقية ووضوح القواعد، ازدادت قدرة المؤسسات على بناء علاقات مستقرة مع موظفيها ومتعامليها وشركائها.
في هذا الشأن تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً جديراً بالتأمل على تكامل هذه الأبعاد؛ إذ أصبحت الثقة في تجربتها التنموية ركيزة لجذب الاستثمارات والكفاءات والشراكات. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قوله: «الثقة هي المقدمة، وهي التي تصنع الرخاء والنمو والاستقرار الاقتصادي». وهي فكرة يمكن إسقاطها على الإدارة المؤسسية؛ فالثقة ليست مجرد نتيجة للنجاح، بل إحدى القوى التي تصنعه.
خلاصة القول، إن المؤسسة لا تصبح جديرة بالثقة لأنها تعلن التزامها بها، وإنما لأنها تمارس ما يجعل الآخرين يثقون بها. فالثقة لا تُفرض بالتعليمات، ولا تُشترى بالموارد، ولا تُصنع بالشعارات؛ إنها حصيلة سلوك مؤسسي متراكم، يُختبر في المواقف قبل أن يُقاس في النتائج.
ولعل المفارقة الأعمق أن المؤسسات تنفق الكثير لبناء سمعتها، لكنها قد تنسى أن السمعة ليست سوى الصورة التي يراها الآخرون، أما الثقة فهي الحقيقة التي يشعرون بها. وبين الصورة والحقيقة يتحدد مستقبل المؤسسة؛ فقد تنجح في رسم صورة مشرقة عن نفسها، لكنها لن تكسب ثقة الناس إلا عندما يجدون في ممارساتها ما يؤكد مصداقية تلك الصورة.
