لترى ما تفعله إمارة دبي في المساعدة على النهوض العربي بطريقة تراكمية (عمودياً وأفقياً)، عليك أن تحمل منظاراً كبيراً لأن هناك العديد من تفاصيل لمبادراتها في هذا الاتجاه ليس من السهل إحصاءها في مقال واحد. بعض هذه المبادرات محسوس أو مادي وبعضها يتعلق بالجانب المعنوي يلامس نفس الإنسان العربي الذي لا يقل كفاءة وقدرة على تحقيق الإنجازات.. من هذه المبادرات على سبيل المثال: نوابغ العرب، ومنها أيضاً صناع الأمل، وبلا شك تحدي القراءة العربي الذي يخاطب مستقبل هذه الأمة، والذي اختتم دورته العاشرة منذ أيام.
دبي تختلف عن باقي الحكومات العربية في تعاملها مع المحن والتحديات التي تمر بعالمنا العربي.. أعطاها هذا الاختلاف تميزاً في نظرة الإنسان العربي في رسم آمال الإنسان العربي واستعادة مجده، وجعل هذه الإمارة بمثابة المدينة التي يتمنى كل العرب أن يدشنوا آمالهم وطموحاتهم فيها. هذا الاختلاف يكمن في أن دبي لا تقف أمام ما تشير إليه التقارير العالمية وتستعرضها لمعرفة حالة تراجع الوضع العربي، وإنما تبادر بخطوات إيجابية وعملية لتحريك الوضع ومعالجته.
وبما أننا ما زلنا نعيش أجواء مبادرة «تحدي القراءة» في نسختها العاشرة، وهي إحدى مبادرات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، فإن ما سجلته هذه المبادرة من مؤشرات متصاعدة كل عام في عدد المشاركين وفي تميز مهاراتهم من ناحية اللغة وثقتهم بأنفسهم، إنما يؤكد أن إمارة دبي حقيقة هي بمثابة الضمير العربي الحاضر في استعادة مجده الإنساني عندما كانوا يثرون الحضارة الغربية بالعلم والمعرفة من عاصمة العرب والمسلمين في طليطلة عاصمة الأندلس الثقافية.
من إيجابيات مبادرة «تحدي القراءة» أنها حَسّنَت من مكانة معدلات القراءة لدى الإنسان العربي في المؤشرات العالمية، وذلك خلال الفترة الممتدة من إطلاق المبادرة في عام 2015 - 2026، كما جاء في تقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، حيث بين المؤشرات أن عدد الكتب التي يقرأها الطالب العربي خلال هذه الفترة ارتفعت من 8 كتب إلى 40 كتاباً في السنة، وأن القراءة الحرة كانت أقل قبل مسابقة تحدي القراءة وانتقلت من كتاب واحد في السنة إلى 4 كتب حالياً، وهذا معناه أن إحياء هواية أو فعل القراءة لدى الإنسان العربي كان بتشجيع من المبادرة وهو يسير بخطى إيجابية متراكمة.
لا خلاف أن القراءة، فعل إنساني فردي على مر التاريخ، ولكنه في الوقت نفسه قد يكون مشروع أمة أو وطن لبناء حضارة، لذا تجد بعض حكومات العالم تشجع كل ما يتعلق بالقراءة مثل: الترجمة والنشر والتأليف وتعمل على تنظيم معارض الكتب والفعاليات الثقافية بهدف بناء أساس فكري لدى إنسانها الذي بدوره يعمل على النهوض بأمته بالمعرفة والعلم.
ولو استعرضنا كل الأمم التي حققت إنجازات تنموية سنجد أن القراءة هي أساس التقدم أو التأخر، وبالتالي لا غرابة إذا ما ربطنا تراجع مكانة الأمة العربية بتراجع القراءة. حالة الفرح التي اجتاحت مصر حكومة وشعباً بفوز أحد أبنائها بجائزة تحدي القراءة الأخيرة، وبمجرد الاستماع إلى أحاديث الفائزين وحتى المشاركين في المبادرة وهم يعبرون عن مشاعرهم يتأكد لك: أن حكومة دبي بفعلها هذا تُعيد إحياء سلوك أو مهارة عربية منسية لبناء الفكر الإنساني الذي سيكون له دور في يوم ما لإعادة بناء مجدهم وحضارتهم.
مبادرات دبي للنهوض العربي لم تأتِ من فراغ بل هي ضمن سلسلة كبيرة من الأعمال التي تُعبر عن إيمان قيادتها بقدرات الإنسان العربي إذا ما وجد هذا الإنسان حاضنة تتبنى أفكاره وإذا ما لقي دعماً حقيقياً وتشجيعاً.. فكما نهضت دولة الإمارات تنموياً بفعل الاستثمار في الإنسان وقدمت تجربة عربية مختلفة، فهي اليوم تضع أساساً فكرياً يتراكم مع مرور الوقت للنهوض العربي لتحتل مكانتها الحقيقية بين الأمم.
