زلزال أزرق هز أركان وجنبات البيت الأبيض الأمريكي حينما تمكن الحزب الديمقراطي من السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، موجهاً أقوى ضربة سياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته للبيت الأبيض.
كثيرون تحدثوا عن نتائج وتداعيات هذا الزلزال غير المسبوق منذ عقود، وكثيرون استرسلوا في تفسير هذا الزلزال، والبعض ذهب إلى التعامل معه باعتباره سيوقف الحرب الأمريكية الإيرانية فوراً، وربما يعزل الرئيس الأمريكي أو على الأقل يشل صلاحياته ويحوله إلى «بطة عرجاء» في العامين المتبقيين.
لكن ما سنناقشه ولم يحظَ بتغطية مناسبة عالمياً هو طبيعة النظام السياسي المعقد المصمم بطريقة لا تسمح لسلطة أن تهيمن على أخرى، وربما ذلك ما يفسر لنا سر قوة هذا النظام وثباته واستقراره منذ صدور الدستور الأمريكي عام 1787 وحتى الآن. النقطة الجوهرية في النظام السياسي أن الرئيس هو رئيس السلطة التنفيذية فقط، وليس رئيساً للسلطة التشريعية أو القضائية، فهو لا يستطيع أن يتدخل في عمل السلطتين حتى لو أراد ذلك، والعكس صحيح.
الدستور هو المصدر الأعلى للسلطات.. والرئيس له السلطة التنفيذية الكاملة وإدارة الحكومة وقيادة القوات المسلحة، وإصدار الأوامر التنفيذية، وتعيين كبار المسؤولين والسفراء وفق القواعد الدستورية. نعرف أن ترامب توسع في إصدار الأوامر التنفيذية، لكن يمكن الطعن عليها أمام القضاء الذي أبطل العديد منها. لكن من المهم الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي له صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، فهو يمثل البلاد في العلاقات الدولية ويفرض بعض العقوبات ويوقّع المعاهدات، لكن بشرط إقرارها بأغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. الرئيس هو أيضاً القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويملك سلطة القيادة العملياتية، وإصدار الأوامر العسكرية، لكن الكونغرس هو من يملك سلطة إعلان الحرب وتمويل القوات المسلحة وإنشاء جيوش وتنظيمهما.
من صلاحيات الرئيس أن يعترض على أي قانون يصدره الكونغرس، لكن الأخير يمكنه إبطال ذلك إذا تم الإقرار بثلثي الأعضاء. الرئيس يرشح كبار المسؤولين الفيدراليين وقضاة المحكمة العليا، لكن لا بد من موافقة مجلس الشيوخ.
وهذا ما يقودنا إلى صلاحيات الكونغرس الذي يملك حصراً سلطة إصدار وإقرار القوانين. في يد الكونغرس أدوات عدة، أهمها فرض الضرائب والاقتراض وإقرار الموازنة والاعتمادات المالية وتخصيص الأموال للوزارات والوكالات والبرامج الحكومية وتمويل القوات المسلحة والعمليات العسكرية، وهذا معناه أنه حتى لو رغب الرئيس في تنفيذ سياسة معينة، فالمهم أن يحصل على تفويض قانوني أولاً وتمويل مالي ثانياً.
ومعنى ما سبق أن الكونغرس بتشكيله الجديد الذي سيدخل حيز التنفيذ يوم 3 يناير المقبل قد يرفض تمويل العمليات العسكرية التي يريدها ترامب، ما يحد من قدرته على مواصلة الحرب. المعنى إذن هو أن الرئيس يقود الجهاز التنفيذي، والكونغرس يملك مفاتيح التمويل، لكن فيما يتعلق بالحرب فهناك إشكالات قانونية دائمة بشأن الحدود الفاصلة بين سلطتَي الرئيس والكونغرس.
ويملك مجلس الشيوخ صلاحيات الموافقة على تعيينات قضاة المحكمة العليا، وحق رفض المعاهدات وعزل ومحاكمة المسؤولين.. أما سلطة القضاء فهي الفصل في المنازعات وتفسير الدستور والقوانين والأهم الرقابة على دستورية القوانين وعلى قرارات الرئيس، خصوصاً إذا تجاوز صلاحياته وفي ظروف معينة وضيقة يستطيع القضاء إيقاف الرئيس بأوامر قضائية مؤقتة.
ما سبق هو صلاحيات السلطات الثلاث لكن هناك تداخل بينها خصوصاً في قضايا مثل من يملك الكلمة الأخيرة في إعلان الحرب، وهل يستطيع الكونغرس إجبار الرئيس على وقف الحرب، ومن يسيطر على السياسة الاقتصادية، وهل يمكن للرئيس رفض تنفيذ قانون قرره الكونغرس، وماذا يحدث حينما تتصارع السلطات الثلاث؟
المؤكد أن الزلزال الأزرق الذي ضرب البيت الأبيض ستكون له آثار متعددة داخل أمريكا وخارجها.
والمؤكد أن ترامب سيعيش في كوابيس سياسية متتالية خلال العامين المقبلين، لكن علينا ألا نستبعد إقدامه على اتخاذ سياسات وقرارات غير متوقعة، وهو تخوف منطقي بالنظر إلى أن هناك «نمراً جريحاً» آخر في إسرائيل اسمه بنيامين نتانياهو سبق له النجاح في «إغواء» وإقناع ترامب بإشعال النار في عموم المنطقة.