اتصال تترقبه موسكو من كييف

استوقفني جداً الخبر الذي بثته وكالة إنترفاكس الروسية على لسان يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. استوقفني الخبر جداً ولا بُد أنه استوقف غيري بالدرجة نفسها، ولماذا لا يستوقفنا إذا كان يحمل في طياته احتمالاً قوياً بوقف الحرب الروسية الأوكرانية. قال مساعد الرئيس أوشاكوف إن الرئيس بوتين سوف يستجيب بالتأكيد لأي اتصال يبادر به الرئيس الأوكراني زيلينسكي.

إنك حين تطالع هذا الخبر سوف تأخذ نفساً عميقاً، ثم تهمس بينك وبين نفسك: أخيراً.. بل أخيراً جداً.. اقتنع الطرف الأقوى في هذه الحرب بأنها يجب أن تتوقف، حتى ولو كان ثمن توقفها أن يتنازل هو ويقبل باستقبال مكالمة من الطرف الآخر.

وربما يكون انشغال الناس بأمورهم قد أنساهم أن هذه الحرب دخلت عامها الخامس في 24 فبراير في هذه السنة، وأن تداعياتها وصلت إلى كل بيت بالضرورة، وأن أخطر ما فيها أن العالم تقريباً اعتادها، فلم تعد أخبارها تستثير أحداً أو تستوقفه أو تثير في داخله أي اهتمام، وإلا فمَنْ منا مستعد لمتابعة حرب بالشغف نفسه لمدة تزيد على أربع سنوات؟

دامت الحرب واستمرت حتى اعتادها الناس، وحتى صار الجالس أمام أي شاشة يغيرها إلى شاشة أخرى إذا وجدها تتكلم عن هذه الحرب، وكذلك يفعل قارئ الجريدة فيقلب الصفحة إلى صفحة أخرى لا تحمل إليه أنباء حرب تكاد تتم عامها الخامس.

من أجل ذلك استوقفني الخبر، ومن أجل ذلك أيضاً سيستوقف غيري، وسنراهن جميعاً على أن المكالمة التي ينتظرها «سيد الكرملين» سوف تأتيه، وسيستجيب للمتصل، وسيبدي مرونة لم تكن ترافقه من قبل في الشأن نفسه، وسيقبل أن يلتقي مع خصمه في المنطقة الوسط، وسيفعل ذلك ولسان حاله يقول ما معناه أن هذه حرب اللاضرورة إذا جاز لأحد أن يختار لها اسماً أو يضع لها عنواناً بين عناوين.

طبعاً سوف يتساءل قارئ الخبر: ولماذا لا يبادر بوتين نفسه بالاتصال، ولماذا ينتظر حتى يتصل الطرف الآخر أو لا يتصل؟ وهذا سؤال في محله طبعاً، ولكن الكبرياء الروسية ربما تكون هي المانع الأساسي، إذ لا ينسى الرئيس بوتين في كل حالاته أنه وريث الاتحاد السوفييتي، وأن أوكرانيا كانت حتى عام 1991 إحدى دول الاتحاد السوفييتي، أو إحدى مقاطعاته إذا صح التعبير، وأن انفصالها عنه بعد تفككه في ذلك العام لا ينفي هذه الحقيقة، ولا ينفي أنها واحدة من 15 جمهورية خرجت من معطف الاتحاد يوم سقوطه وصار لكل دولة منها كيانها وسيادتها.

هذا العنصر النفسي له أثره في داخل بوتين، وهذا ربما ما جعله طول سنوات الحرب يتساءل بينه وبين نفسه عن السبب الذي أدى إلى تفكك الاتحاد، وعن الطريقة التي يستطيع بها هو أن يجمع شمله مرة أخرى، أو على الأقل يحافظ على ما بقي من هيبته في صورة روسيا الاتحادية التي ورثت عنه سلاحه النووي، ومع «النووي» ورثت مساحة جغرافية شاسعة تجعلها أكبر دول العالم مساحة.

الكبرياء الروسي الذي يستمد قوته من كبرياء سوفييتي قديم، هو التي يجعل رجلاً مثل بوتين يتمنى لو أوقف هو الحرب بمبادرة منه كما كان قد أطلقها بقرار في 24 فبراير 2022، لولا أن الكبرياء وأثره في النفوس يمنعه!

ولا بُد أن زيلينسكي مدعو لأن يراعي هذا البعد النفسي المهم في القضية ومدعو إلى أن يتلقف هذه الدعوة التي يحملها الخبر المنشور على لسان مساعد الرئيس الروسي، فما هو منشور دعوة أكثر منه خبراً من بين أخبار كثيرة تنشرها الوكالة الروسية، ويكاد فيه يقول مساعد بوتين إن التليفون على المكتب إلى جوار الرئيس، وإنه سيرفع السماعة ليرد بنفسه بمجرد مجيء المكالمة.

ولا بُد أن الرئيس ترامب مدعو من جانبه إلى أن يحرض الرئيس الأوكراني على إجراء المكالمة المرتقبة، بدلاً من أن يظل يعطيه السلاح مرة، ويمنعه عنه مرة أخرى، فها هي ذي فرصة للسلام تلوح من بعيد قادمة من موسكو ولا بديل عن اقتناصها.. وإذا كان لطرف آخر أن يقتنصها فهذا الطرف هو أوروبا التي لحق بها جراء هذه الحرب كما لم يلحق بسواها، والتي ستكون المستفيد الأكبر لو أنها نجحت في أن تنتهز الفرصة وتجعل حرب اللاضرورة هذه تضع أوزارها.