فلسفة عمر الشريف

الفنان العالمي عمر الشريف، أو ميشيل شلهوب -كما كان اسمه قبل دخوله عالم الفن- رحل عن عمر ناهز الثالثة والثمانين، بعد حياة ربما كانت أكثر إثارة من كثير من الأفلام التي مثّلها.

قبل أن يداهمه مرض الزهايمر في سنواته الأخيرة، أجرى عمر الشريف مقابلات تلفزيونية كثيرة، تحدث فيها بصراحة لافتة عن حياته، والمال، والحب، والمرأة، والزواج، والشيخوخة، والموت. وحين تشاهد تلك الحوارات اليوم، تشعر أنك لا تستمع إلى نجم سينمائي يستعرض نجاحاته، بل إلى رجل وصل إلى آخر الطريق، ولم يعد لديه ما يجامل به أحداً.

كانت له فلسفة غريبة في الحياة. عاش متنقلاً بين الدول، وكانت الفنادق بيته، ولم يكن شديد التعلق بالممتلكات، ولا بالمال، ولا حتى بالوقت. عاش قدراً كبيراً من الحرية، وكأنه كان يخشى أن يمتلك الأشياء حتى لا تمتلكه هي.

أما الحب، ففي حياته قصة يصعب تجاوزها. أحب فاتن حمامة، وتزوجها، وحين انتهى زواجهما لم يتزوج بعدها. مرت في حياته نساء كثيرات -بحكم شهرته وحياته العالمية- لكن فاتن بقيت في ذاكرته قصة مختلفة.

وسط مقابلاته الكثيرة، استوقفتني فكرة قالها عن الفرق بين الرجل والمرأة. كان يرى أن المرأة أفضل من الرجل في تحمل المسؤولية، وأن الرجل لا ينضج تماماً، يكبر في العمر، لكنه يحتفظ في داخله بطفل مشاغب، بينما تنضج المرأة أسرع، وتصبح أكثر وعياً بمسؤولية عمرها وحياتها.

قد تُغضب هذه العبارة الرجال، وربما تعجب النساء، لكنها بالتأكيد تستحق التفكير.

وبالطبع، لا يمكن تحويل رأي عمر الشريف إلى قاعدة علمية، ولا يمكن اختصار مليارات الرجال والنساء في وصف واحد. هناك رجال بلغوا من النضج والمسؤولية ما يفوق كثيراً من النساء، وهناك نساء يحتفظن بروح الطفولة والمغامرة حتى أعمار متقدمة. لكن السؤال المثير هنا ليس: من الأفضل؟ بل: هل ينضج الرجل والمرأة بالطريقة نفسها؟.

ربما لا.

فالمرأة في مجتمعات كثيرة تشعر مبكراً بمرور الزمن. ترتبط حياتها منذ سن مبكرة بمراحل واضحة ومسؤوليات متلاحقة، وتجد نفسها أمام تفاصيل الأسرة والأبناء والعلاقات والبيت، فتتعلم أن تحسب خطواتها، وأن تنظر إلى الغد.

أما الرجل، فكثيراً ما يحتفظ بمساحة سرية داخله لا تخضع للعمر.

قد يبلغ الستين، لكنه حين يجلس مع أصدقاء طفولته، يعود في دقائق إلى ابن العشرين. يضحك بالطريقة نفسها، يتحدى، يغامر، يشتري سيارة لا يحتاج إليها، يسافر فجأة، يبدأ مشروعاً جديداً، ويعتقد في أعماقه أن أمامه الكثير من الوقت.

لكن هل هذا عيب؟

ربما يكون هذا «الطفل المشاغب» أحد أسرار الرجل أيضاً. فمنه تأتي أحياناً المغامرة، والجرأة، والفضول، والقدرة على البدء من جديد. وكما أن نضج المرأة يمنحها قدرة هائلة على الاحتمال وتحمل المسؤولية، فإن بقاء شيء من الطفولة داخل الإنسان، قد يمنحه القدرة على الاستمرار.

وربما كانت المفارقة أن عمر الشريف نفسه عاش الفكرة التي تحدث عنها. رجل تجاوز حدود بلده إلى العالمية، عاش بين الطائرات والفنادق وطاولات اللعب ومواقع التصوير، ولم يسمح للمكان أو المال أو الممتلكات بأن تقيده كثيراً.

وفي نهاية حياته، بدا كأنه اكتشف أن الإنسان مهما جمع وامتلك ونجح، لن يأخذ معه شيئاً.

ربما لم يكن عمر الشريف يقول إن المرأة أفضل من الرجل، بقدر ما كان يعترف بحقيقة اكتشفها بعد عمر طويل: المرأة تتعلم غالباً كيف تعيش مع العمر، بينما يقضي الرجل جزءاً من عمره محاولاً الهرب منه.

يكبر جسده، وتتغير ملامحه، ويشيب شعره، لكن في زاوية خفية من روحه، يظل ذلك الصبي المشاغب، ينظر إلى الحياة وكأنها لم تنتهِ بعد.