توجّه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع يوم 27 من أكتوبر لاختيار أعضاء البرلمان وتشكيل حكومة جديدة. وكانت هذه الانتخابات أول اقتراع يُجرى بعد أحداث أكتوبر، حين شنت مجموعات مسلحة من «حماس» وآخرون هجوماً على مستوطنات إسرائيلية في غلاف قطاع غزة.
حينها شنت إسرائيل حرباً ضروساً ضد «حماس» وسكان غزة، وُصفت بالتصفية العرقية والإبادة الجماعية من قِبل هيئات ومؤسسات وأفراد ومحكمة الجنايات الدولية في سابقة خطِرة بالنسبة لإسرائيل، وقد أصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرة اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت.
جاءت الانتخابات بما لا يشتهيه ناخبو إسرائيل، فقد كان اليمين المتطرف يتمنى فوزاً كاسحاً لحزب الليكود وحلفائه لإعطاء رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو تفويضاً للاستمرار في السياسات الخارجية تجاه المسيرة السلمية وإيران، والحد من سيطرة السلطة القضائية على تصرفات السلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية (الكنيست أو البرلمان).
أما التكتل الآخر، يمين الوسط بزعامة أيزنكوت، فلم يتلقَّ الدعم المطلوب لإزاحة نتانياهو من سدة الحكم. وأصبح طريق الوصول إلى الحكم يمر عبر التحالف مع الأحزاب العربية التي حققت فوزاً تاريخياً وحصلت على 19 مقعداً في الكنيست، بسبب النسبة العالية وغير المسبوقة للمشاركة في تاريخ المجتمع العربي داخل إسرائيل، والتي وصلت إلى 80%.
والإشكالية أن القائمة العربية خاضت الانتخابات على أنها البديل للإجماع الصهيوني العنصري، بمعنى آخر، فإن خلاف الأحزاب العربية ليس على سياسة الحكومة فحسب، بل على كيان الدولة الذي تعتبره كياناً غير شرعي.
وقد تعهد أيزنكوت بعدم التحالف إلا مع الأحزاب الصهيونية التي تؤمن بإسرائيل وحقها في الوجود، لا مع أحزاب غير صهيونية تسعى إلى تغيير طبيعة الدولة من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية يتعايش فيها اليهود والعرب كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وهنا يكمن النزاع الحقيقي، وما الأيديولوجيات إلا تعبير عن طبيعة مستقبل إسرائيل؛ فهناك تيارا «الصهيونية الجديدة» و«ما بعد الصهيونية».
تشير «ما بعد الصهيونية» إلى تطور فكري مهم في إسرائيل، ومرد هذا التطور هو المراجعات التاريخية التي قام بها «المؤرخون الجدد» معتمدين على الأرشيف الإسرائيلي - خاصة العسكري - لنقض الرواية الإسرائيلية الرسمية عن حرب 1948، في حين يتعلق بظروف قيام دولة إسرائيل وأصول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
كان هذا في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، وانبثق من هذا الوعي التاريخي الجديد تيار ينادي بما بعد الصهيونية، ويرى هذا التيار أن الصهيونية أدت دورها التاريخي بتأسيس الدولة اليهودية وتجميع أكبر قدر ممكن من يهود الشتات في أرض الميعاد.
وبناءً على ذلك، يرى هذا التيار أن على إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي أن يتجاوزا الصهيونية إلى أيديولوجية ديمقراطية ليبرالية تصبح الدولة فيها دولة مواطنيها، بما في ذلك الأقلية العربية، كما يعترف هذا التيار بالمسؤولية التاريخية لإسرائيل في إحداث النكبة الفلسطينية. أما «الصهيونية الجديدة» فهو تيار نشأ كردة فعل لتيار ما بعد الصهيونية، وترى الصهيونية الجديدة أن الأخير يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. وبدلاً من تجاوز الصهيونية، ينادي هذا التيار بإحيائها، لا سيما في شقها القومي المتطرف والديني، ويؤكد أنه لا مساومة على أرض إسرائيل.
ووفقاً لهذا التوجه، يجب أن تتقوى إسرائيل وتشحذ الهمم لمواجهة المخاطر المحدقة بها، وهي لا تعترف بأي حقوق للشعب الفلسطيني ولا بحقه في دولة مستقلة، وتعتبر الأراضي التي يقطنها الفلسطينيون أراضي منحها الرب لإسرائيل ولا يشاركها أحد فيها.
هذا هو المعنى العميق للانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، حيث لا تلوح في الأفق أي نافذة نحو مستقبل يسوده الوئام والتعايش السلمي بين سكان هذه البقعة الصغيرة التي تحتل صدارة تاريخ المنطقة. فهل سيكون هناك تيار مضاد ينهض مثل طائر الفينيق من نيران الصهيونية الجديدة لتصحيح مسار الدولة والمجتمع الإسرائيلي؟ بلى، ولكن بعد عدة أجيال.
