حقق التطبيق الحكومي الموحد «سهل» في دولة الكويت إنجازاً بفوزه بجائزة أفضل تطبيق حكومي شامل، وحصلت خدمة «رحلة المولود» على جائزة التميز في فئة أفضل خدمة رقمية حكومية، وذلك ضمن جائزة الحكومة الرقمية لدول مجلس التعاون.
تشهد منطقتنا تسارعاً تقنياً غير مسبوق حتى صار هناك جائزة بين الأشقاء الخليجيين ليؤازر بعضهم بعضاً على سرعة التقدم التقني وتسهيل الخدمات الحكومية، وكان آخرها الدورة السابعة للجائزة التي استضافتها مملكة البحرين الأسبوع الماضي.
خدمة رحلة المولود التي حققتها الكويت تميزت بالجمع بين سبع جهات حكومية تنتهي بتسمية المولود الجديد إلكترونياً «بدلاً من الذهاب في الصيف اللاهب إلى (ميدان حولي)»، ثم يتلقى الأب رسالة تهنئة باللهجة الكويتية بقدوم المولود الجديد «مبروك ما ياك». وحتى إذا أكمل الطفل السن القانونية للدراسة يأتيه إشعار يطلب منه بأن يضغط على زر لتسجيله إلكترونياً في مدرسة ابتدائية. وإذا ما غاب عن المدرسة سوف يعلم ولي الأمر بذلك عبر إشعار «سهل».
غير أن القيمة الأهم لهذه النقلة التقنية ليست في انتقال المعاملة من الشباك إلى الشاشة، بل في روعة التغيير الجذري في تفكير المؤسسات الحكومية، وفي التخلص من تعقيدات البيروقراطية. وبالمناسبة البيروقراطية هي نظام إداري كان يُنظر إليه بإيجابية سابقاً، ونظر له العالم الألماني ماكس فيبر، يقوم على القواعد والتخصص والتسلسل الوظيفي، لضمان العدالة والكفاءة، لكنه اليوم يُنتقد حول العالم لتعقيد الإجراءات وبطء القرارات مقارنة بإمكانية الاستفادة من التكنولوجيا في إنجاز أعمال الناس بصورة أسرع.
ولعل من ثمار هذا التحول أنه ضيق مساحة الاجتهاد الشخصي والمحاباة. فحين تخضع المعاملات لمعايير واضحة يصبح من الصعب تجاوز الدور، أو تعطيل مصالح الناس من دون مبرر، وهو مكسب إداري لا يقل أهمية عن سرعة الإنجاز.
اختصرت التطبيقات الحكومية ملايين المعاملات ووفرت ملايين الساعات التي كانت تهدر في زيارات ميدانية، حيث كان إصدار وثيقة بيت يستغرق نحو ستة أشهر، وصار الآن يصدر في لحظة فور وصول التيار الكهربائي. في الكويت مثلاً، تُجرى نحو أربعة ملايين معاملة شهرياً، أي نحو خمسين مليون معاملة سنوياً. ولو افترضنا أن المعاملة كانت تستغرق ذهاباً وإياباً بالسيارة مع الإجراءات والانتظار ساعتين أو ثلاث ساعات للمعاملة فهذا يعني أن التطبيق الحكومي الموحد قد وفر ما بين 100 إلى 150 مليون ساعة سنوياً. وهذا وقت وجهد هائل. ذلك مجرد وقت المراجع ناهيك عن وقت الموظفين والضغوطات النفسية التي يمر بها جميع الناس في مشاوير أصبح بالإمكان عملها بضغطة زر ومن تطبيق هاتفي في جيب كل مواطن ومقيم.
وهناك مراكز خدمة يمكن أن يراجعها كبار السن ممن لا يجيدون استخدام التطبيق ليتلقوا الإرشادات المطلوبة، وإن كان حتى الكبار صار يساعدهم أبناؤهم في إنجاز المعاملات عبر الهواتف.
وإذا كانت هذه التطبيقات قد نجحت في تلبية احتياجات الناس، فإن التحدي المقبل هو استباق تلك الاحتياجات. وهو ما تسعى الجهات الحكومية جاهدة إلى تحقيقه، بحيث تضيف الخدمات الأكثر طلباً بين الناس حتى تزداد القيمة المضافة للتطبيق.
اللافت أنه بمجرد ترجمة التطبيق إلى الإنجليزية لدينا في الكويت قفز عدد المستخدمين إلى مليون مستخدم، وهذه مسألة مهمة ينبغي مراعاتها في شتى تطبيقات المنطقة العربية لضمان دخول كل المقيمين في البلدان العربية.
يبدو أن تحوّل المراجع إلى ساعي بريد بين الإدارات صار من الماضي، ولن نشاهده سوى في المسلسلات «القديمة» بعدما أصبحت بالفعل كل المعاملات الحكومية في جيب المواطن «هاتفه»، وقد تحققت نبوءة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما قال قبل أكثر من عشرة أعوام: «حكومة المستقبل ستقدم خدماتها للناس 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، 365 يوماً في السنة».
