على استحياء، بدأت درجات الحرارة تتراجع مع دخول نوفمبر، وكأنها على مضض تمنحنا بعضاً مما اعتدناه من أجواء لطيفة في مثل هذه الأيام من كل عام. فقد طال انتظارنا للشتاء، ولتلك النسائم التي تدعونا إلى استعادة علاقتنا بالهواء الطلق، فيما لا تزال حرارة الصيف تتمسك بحضورها.
في الأيام الأخيرة من أكتوبر، قادتني خطاي إلى أحد شواطئ إمارة أم القيوين، رغبة في نسمات من هواء البحر، وربما بدافع الفضول الذي أثارته أخبار التلوث النفطي الذي طال بعض سواحل الإمارة، وما تبعه من إغلاق للشواطئ المتأثرة، في وقت شهدت فيه مياه الخليج اعتداءات وأعمال قرصنة هددت الملاحة.
على امتداد الطريق، كانت المباني تتراجع شيئاً فشيئاً، لتحل محلها المساحات المفتوحة. وحين وصلت إلى الشاطئ كان الهدوء أول ما استقبلني. غابت حركة المرتادين، فيما ظلت الأمواج تتعاقب على الساحل.
اقتربت من الماء، وأزعجتني بقعة الزيت التي عكرت صفحته. كانت الأمواج تحمل أطرافها نحو الشاطئ، ثم تنحسر لتعود من جديد، وكأن البحر ينتزع صفاءه بنفسه.
جلست أراقب تلك البقعة التي حملتها التيارات من بعيد، أو ربما خلّفها عبث القرصنة في عرض البحر. كان غريباً أن يحمل البحر ما يؤذيه، وأن يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع ما لم يكن له يد فيه. ومع كل موجة، كان يلفظ شيئاً من شوائبها، فتذهب مع الزبد جفاءً، فيما يبقى بعضها عالقاً بمياهه، يحتاج إلى وقت حتى يزول أثره.
وكلما امتدت بقعة الزيت وتفرقت على صفحة الماء، خفّ تركيزها. فمهما حملت إليه التيارات، أو تطرّفت به العواصف، يبقى البحر أوسع من أن تحاصره بقعة زيت.
قد تكون البقعة قادرة على تعكير صفائه، لكنها حتماً عاجزة عن تغيير طبيعته. وحتى حين تستقر على سطحه، فإنها تظل غريبة عنه؛ فليس كل ما يحمله البحر ينتمي إليه، ولا كل ما يطفو على سطحه ستحتضنه أعماقه.
وعلى الرغم مما علق بمياهه، ظل البحر على سجيته، لم يحتج إلى موج هادر حتى يدفع ما يؤذيه، ولم تمنعه البقعة من أن يظل طريقاً للسفن، ومصدراً للحياة والعطاء. كان يواجه ما أصابه دون أن يتخلى عما عُرف به، محتفظاً بسكينته وقوته معاً.
وحين هممت بالمغادرة، كانت البقعة لا تزال طافية على سطح الماء، فيما امتد البحر خلفها إلى الأفق، أكبر من أن تختصره أي شوائب.
ما أشبه البحر بوطني!
