الذين يقتلون باسم الإسلام

لم يكن الذين أطلقوا النار على الدكتور محمد القسوس يعرفون، على الأرجح، أنهم يقتلون رجلاً يحمل اسم نبي الإسلام، رغم أنه مسيحي..

ولم يكونوا يعرفون أنهم يقتلون طبيباً جعل من مهنته رسالة رحمة، ومن عيادته ملاذاً للفقراء.. وحتى لو عرفوا ذلك لما تغير شيء، فالذين يقتلون باسم الدين لا يعرفون من الدين إلا ما يبرر القتل، ولا يرون في الإنسان إلا هدفاً لرصاصهم.

وهنا تكمن المفارقة الموجعة؛ رجل مسيحي اسمه محمد، يداوي الناس دون أن يسألهم عن دينهم، يقتله إرهابي يدعي الإسلام، لم يتعلم من الدين ما تعلمه ذلك الطبيب من الإنسانية!

في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، كان الدكتور محمد يوسف عودة القسوس، يشارك في مراسم تشييع جنازة بكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، عندما امتدت يد الإرهاب إلى المصلين والمشيعين، فسقط ضحايا أبرياء، وأصيب الطبيب الذي توفي لاحقاً متأثراً بجراحه.

لم تكن الجريمة مجرد اعتداء على كنيسة، ولكنها كانت اعتداء على تاريخ طويل من العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وعلى مجتمع لم تكن فيه الأسماء حدوداً تفصل بين الناس، ولا دور العبادة أسواراً تعزل بعضهم عن بعض.

حكاية محمد القسوس لم تبدأ يوم مقتله، وإنما يوم اختار له والده هذا الاسم.. فقد كان الدكتور يوسف عودة القسوس، كما تروي قريبته الكاتبة شيرين القسوس، مؤمناً بانتمائه العربي، يرى أن الهوية الجامعة أوسع من الاختلاف الديني، وأن العروبة ليست حكراً على المسلمين، كما أن المسيحية لا تنتقص من عروبة أصحابها.. لذلك سمى ابنه محمداً، في تعبير عن قناعة فكرية وموقف قومي، لا عن مصادفة عابرة.

كان الأب، بهذا الاختيار يكتب رسالة، قبل أن يعرف الابن القراءة، تقول إن الأوطان لا تُبنى بتشابه العقائد، وإنما بتكامل الانتماءات، وإن الاسم الذي نحمله لا ينبغي أن يكون بطاقة تفتيش على ضمائرنا، وإنما جسر يصلنا بتاريخنا وثقافتنا ومجتمعنا.

كبر محمد وأصبح طبيب أسنان، لكنه لم يكتفِ بأن يكون ناجحاً في مهنته.. فقد عرفه الناس بمساعدة المحتاجين وعلاج غير القادرين على دفع تكاليف العلاج، حتى ارتبط اسمه بلقب طبيب الفقراء..

كان يستطيع أن يجعل من مهنته وسيلة للكسب وكفى، لكنه اختار أن يجعل منها باباً للعطاء أيضاً.. وهكذا تحولت الفكرة التي آمن بها الأب إلى ممارسة إنسانية جسدها الابن.

وإذا كان الأب قد أعلن باختيار الاسم أن الإنسان أكبر من الاختلاف الديني، فإن الابن أكد بسلوكه أن الرحمة لا تحتاج إلى شهادة انتماء، وأن الألم لا يسأل صاحبه عن عقيدته قبل أن يوجعه، كما أن الطبيب الحقيقي لا يسأل المريض عن دينه قبل أن يخفف عنه ألمه.

ما الذي كان يهدد الإرهابيين في هذا الرجل؟ اسمه؟ أم دينه؟ أم إنسانيته؟.. الحقيقة أن ما كان يمثله محمد القسوس هو النقيض الكامل للفكرة التي يحملها الإرهاب.. فقد كان يؤمن، بسلوكه اليومي، بأن الناس يستطيعون أن يختلفوا في العقيدة ويتفقوا في الإنسانية، بينما يقوم الفكر المتطرف على تحويل الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى قتل.

أخطر ما في الإرهاب هو أنه لا يكتفي باغتيال الإنسان، وإنما يسعى إلى اغتيال القيم التي عاش من أجلها.. فعندما تُستهدف كنيسة أثناء جنازة لا تكون الرصاصات موجهة إلى الحاضرين وحدهم، وإنما إلى فكرة الجوار، وحرمة الموت، وحق الناس في أن يعبدوا الله بسلام، وأن يودعوا موتاهم دون خوف.

لقد عرف المشرق العربي، عبر قرون طويلة، مسلمين ومسيحيين تقاسموا الأرض واللغة، والثقافة، والأحزان، والأفراح.

صحيح أن تلك العلاقة لم تكن خالية من التوترات، لكنها أنتجت نماذج مضيئة من التعايش والمشاركة في بناء المجتمعات، وكان المسيحيون العرب جزءاً أصيلاً من النهضة الفكرية والأدبية والصحفية العربية، لا ضيوفاً على حضارتها، ولا غرباء عن تاريخها..

فكيف سمحنا لأفكار الكراهية أن تتسلل إلى مجتمعات عاشت طويلاً وهي تعرف أن اختلاف الأديان لا يلغي وحدة المصير؟ وكيف أصبحنا نحتاج إلى التذكير بأن الإنسان لا تُحدَّد قيمته باسمه أو عقيدته، وإنما بما يقدمه للآخرين من خير؟ رحل محمد القسوس، وبقي اسمه يروي حكاية أب آمن بوحدة الهوية، وابن آمن بوحدة الإنسانية، ومتطرفين لم يؤمنوا بحق الآخرين في الحياة.