نحن أبناء هذا الوطن، أبناء هذه الأرض الغالية على قلوبنا؛ أرض لا يحلم كثيرون أن تطأها أقدامهم فحسب، بل أن تسكن روحها أرواحهم، وأن تجري في عروقهم حكايتها، حتى يصبح الانتماء إليها قدراً تتمناه القلوب قبل أن تدركه الأقدام.
إنها الإمارات؛ أرض الأحلام التي يصعب تفسير سر نهضتها، ويصعب أكثر الاقتداء بتجربتها. فثمة ثلاثية لا يمكن أن تجتمع بهذا المعنى إلا في الإمارات: قيادة وشعب ووطن؛ حكاية محبة متبادلة، وعهد متجذر، وانتماء لا تحده السنوات. حكاية تستحق أن تُروى للأجيال، وأن تدرس معانيها عبر العصور
في هذا اليوم الذي يحتضن قلب كل منا، قادتني قدماي إلى سارية العلم عند نهاية كاسر الأمواج «أبوظبي»، حيث أحببت أن أترك لكلماتي مساحة بين سطور هذا المشهد.
كان الصباح هادئاً، والمكان يكتسي بسكينة تمنح الروح متسعاً للتأمل. جلست أرقب ما حولي، وأتأمل الوجوه العابرة، وأتساءل عن الحكايات التي جاءت بأصحابها إلى هنا، وعن الذكريات التي يحملونها في قلوبهم لهذا المكان.
وبينما كنت أستغرق في تأملي، اقترب مني رجل مسنّ بابتسامة هادئة، وسألني إن كان بإمكاني أن ألتقط له صورة تجمعه بأحفاده أمام سارية العلم.
أخذت هاتفه، وقلت: «بالتأكيد».
اجتمعوا تحت الراية، والتقطت لهم الصورة، قال: «تطمئن قلوبنا تحت راية السلام». أن تسمع حب وطنك على لسان من اختاره موطناً لحياته وأسرته، فذلك شعور تتسع له الروح، وتضيق عن وصفه الكلمات.
أخبرني أنه وأسرته وجدوا في الإمارات وطناً ينتمون إليه بقلوبهم. وحدثني عن تعلقهم بأرضها، وألفتهم لعاداتها، وأشار إلى أعلام الإمارات التي يضعونها على صدورهم.
تأملتهم، وتأملت الراية من فوقهم. كان الرجل يقف بين أحفاده مطمئناً، سعيداً بصورة يريد أن يحتفظ بها. وفي ذلك المشهد رأيت معنى كبيراً لما صنعه وطني: حياة يأمن فيها الإنسان على أحبته، وذكريات تستحق أن يحملها معه، وانتماءً ينمو بالمحبة وحسن العيش.
غادرت المكان، وكانت الأعلام تستوقفني على امتداد الطريق. بدت المنازل كأنها سفارات محبة، ترفع الراية وتعلن اعتزاز ساكنيها، والمركبات تحمل ألوان الوطن في مشهد تتجدد فيه البهجة.
في يوم العلم، أستعيد ذلك الصباح، فأرى وجوه الأسرة تحت السارية، وأسمع في كلمات جدها صدى وطن بلغ أثره قلوب الناس. وأفخر براية نرفعها، ونحمل مسؤولية ما تمثله من قيم؛ نترجمها عملاً، ونصونها وفاءً، ونورث محبتها لأبنائنا.
فإن سئلنا عما تحمله ألوانها من معانٍ، قلنا:
بِيضٌ صَنائِعنا، سودٌ وَقائِعنا
خُضْرٌ مَرابِعُنا، حُمْرٌ مَوَاضِينا
بيضاء أيادينا في العطاء ومد العون، وشديدة عزائمنا في الذود عن الوطن، وخضراء أرضنا بما نزرع ونعمر، وحمراء رايتنا بما نحفظ من شجاعة وتضحية.
وتحت هذه الراية، نمضي بكل الانتماء والولاء لقيادتنا الرشيدة، معتزين بوطننا، أوفياء لما أعطانا، حريصين على أن يبقى موطناً للأمان، وداراً ملهمة لكل إنسان.
