علم الإمارات.. هوية وطن وجذور أمة

حين يرتفع علم دولة الإمارات غداً الثلاثاء، الثالث من نوفمبر، تتجه الأبصار والقلوب إلى راية يجتمع تحتها أبناء الوطن بانتماء خالص، وتمتد معانيها إلى أعماق تاريخ هذه الأرض، وإلى الإنسان الإماراتي الذي عاش على سواحلها وفي صحاريها وواحاتها وجبالها، وصاغ عبر أجيال متعاقبة هويته وعلاقته بأرض الإمارات الأبية. وحين ارتفع هذا العلم مع قيام الاتحاد عام 1971، أصبح التعبير السيادي عن وحدة مجتمع عريق في تاريخه، وعن هويته الوطنية وتطلعاته إلى المستقبل.

لقد كان اهتمامي بالهوية الإماراتية دافعاً إلى سنوات من البحث والتأمل، تُوّجت بإصدار كتابي «هويتي».. ورافقتني خلال تلك السنوات أسئلة عميقة عن جذور مجتمعنا وامتداداته العربية، وعن قراءة تاريخه من خلال الشواهد التي تركتها الأجيال، وما حفظته الذاكرة من ممارسات وقيم وتجارب إنسانية.

وقد سعيت إلى فهم تاريخ الإمارات من خلال حياة أهلها، وأماكن استقرارهم، وعلاقاتهم بمحيطهم، وما توارثوه من قيم ظلت حاضرة رغم تغير الظروف.. فالهوية الإماراتية تشكلت عبر تاريخ طويل من الحياة والعمل والتواصل، وترسخت في وجدان مجتمع استطاع أن يستقبل مشروع الاتحاد ويمنحه قوته البشرية والمعنوية.

ومن هنا يفهم الإنسان الإماراتي علم بلاده باعتباره رمزاً وطنياً يحمل تاريخاً اجتماعياً متراكماً، ويمنح الانتماء المشترك صورة حاضرة في المدارس والبيوت والمؤسسات والساحات العامة.. فالراية تجمع أبناء الوطن، وتمنح حياتهم وتجاربهم معانيها العميقة..

وحين يرفع الطفل علم الإمارات في مدرسته، سيفكر بهويته وبما يعرفه عن الأجيال التي سبقته، وعن حياة الأجداد وما تعلموه من بيئتهم، وكيف حافظوا على التضامن في أوقات الشدة، وصولاً إلى الجهود العظيمة التي بذلها الآباء المؤسسون لتحويل حلم الوحدة إلى دولة راسخة ومؤسسات وطنية.

وقد منح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام هذا التطلع التاريخي إطاراً سياسياً جامعاً، ارتكز على التعاون وبناء الإنسان وترسيخ الوحدة..

وتواصل دولة الإمارات اليوم مسيرتها بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وقد أصبحت الراية رمزاً حياً للسيادة والعزة الوطنية، فيما يجدد يوم العلم مشاعر الانتماء والولاء والمسؤولية، ويستحضر تاريخ الاتحاد والجهود التي تصون وحدته وتعزز مكانته بين الأمم.

وقد أسعدني خلال سنوات عملي ولقاءاتي الثقافية والاجتماعية، أن ألمس ارتباطاً وجدانياً عميقاً بالإمارات لدى كثير من المقيمين الذين جعلوا منها موطناً لحياتهم وعملهم وأسرهم..

وتحدثت عن هذا الشعور عند توقيع كتابي «هويتي» في معرض الشارقة الدولي للكتاب، بالتزامن مع احتفالات يوم العلم، كما لمسته في مناسبات عدة يصعب حصرها..

فقد وجدت في مشاركة المقيمين الأعزاء في حياة المجتمع الإماراتي، وفي تقديرهم لثقافته وقيمه وتقاليده، صوراً إنسانية جميلة من التآخي والانسجام الاجتماعي..

وقد أصبحت الإمارات، بحكمة قيادتها ورؤيتها الإنسانية، نموذجاً عالمياً للتعايش، تتلاقى على أرضه ثقافات متعددة، وتتفاعل فيه تجارب الشعوب في أجواء من الاحترام والتقدير والشعور بالأمان والانتماء.

ونرى في احتفالات يوم العلم اهتماماً متجدداً بتاريخ المجتمع الإماراتي وتراثه وقيمه الأصيلة، حيث ترتبط الراية بحكاية الوطن ومسيرة أبنائه.

وفي المدارس والمؤسسات الثقافية والمجالس الأسرية تتجدد فرص استحضار حياة الأجداد، والحديث عن المهن والأماكن والعادات التي عرفوها، وعن صور التعاون والتكافل التي ميزت مجتمعنا، فهذه الذاكرة الإنسانية تقرب التاريخ إلى الأجيال الناشئة، وتمنح الرمز الوطني جذوراً حية في وعيهم، وتساعدهم على إدراك أن الهوية تتجلى في اللغة والسلوك والقيم والعلاقات التي يعيشونها كل يوم.

وأرى أن مسؤوليتنا تجاه العلم تمتد إلى المعرفة التي ننقلها للأجيال، وإلى العمل الذي نقدمه لوطننا.. فحين ينظر الشاب الإماراتي إلى رايته وهي ترفرف فوق جامعة أو مركز علمي أو موقع تراثي، فإنه يرى تاريخاً يستحق أن يعرفه، وإنجازات تستحق أن يعتز بها، ومستقبلاً ينتظر إسهامه بعلمه وإخلاصه وعمله.. وهكذا تتواصل مسيرة الأجداد والآباء والأبناء، وتظل الهوية الوطنية حاضرة في مسيرة البناء والتقدم.

وفي يوم العلم، أرى راية تختصر وحدة الدولة وكرامة سيادتها، وتحمل في وجدان الناس تاريخاً يمتد إلى ما قبل قيام مؤسساتها الحديثة.

إن صون العلم يبدأ من احترام معناه، ومعرفة المجتمع الذي التقى تحت رايته، والوفاء للقيم التي أسست وحدته..

ولعل أجمل ما نقدمه لأبنائنا ونحن نرفع علم الإمارات أن نمنحهم معرفة راسخة بجذورهم، واعتزازاً بتاريخهم، وثقة بأن المستقبل الذي يتطلعون إليه امتداد لمسؤولية حملها الأجداد، وجسدها الآباء المؤسسون، وتواصلها أجيال الإمارات بعزمها وعطائها.