من يعلّم الإنسان قتل جاره؟

في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، اجتمع أهلها يوم الجمعة لوداع سيدة توفيت. كانت الكنيسة تستقبل المشيعين في مجتمع اعتاد أن يتقاسم أبناؤه الأفراح والأحزان، بصرف النظر عن دياناتهم..

اقتحم الرصاص ذلك المشهد، وسقط تسعة أبرياء، وأصيب آخرون.. ثلاثة مسلحين قرروا أن لهم حق إنهاء حياة أناس لم يعرفوهم، وأن اجتماعهم للصلاة والعزاء سبب كافٍ لاستهدافهم.

هب المجتمع الأردني لإدانة الجريمة، مؤكداً وحدة نسيجه الوطني. ذلك موقف ضروري، وفيه رد على غاية الإرهاب في زرع الشك بين المواطنين..

لكن السؤال الذي يشغلني يتجاوز الإدانة: كيف يصل إنسان إلى الاعتقاد بأن قتل جاره المواطن يقربه إلى الله؟.. ومن لقّنه هذا الاعتقاد، ومن أتاح له أن يتحول إلى مشروع قاتل؟

تستدعي الواقعة جريمة اغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب في كربلاء عام 2019، بثلاث عشرة رصاصة.

كان صاحب «جمهورية باب الخان» صوتاً ناقداً للطائفية والنفوذ الإيراني.. وهي أقرب إلى سيرة مكان يضيق بعض أهله بالبعض الآخر، لم تعجب المتشددين، مقتله يظل شاهداً على الخطر الذي يواجه صاحب الرأي في بيئة يستقوي فيها المسلح على الكاتب، ويصبح الاختلاف مخاطرة شخصية.. وهي واحدة من عشرات قصص التصفية التي يقود إليها الفكر التكفيري!

تختلف ملابسات الجرائم، ما يستحق البحث هو المناخ الذي يجعل استباحة قتل الآخر أمراً مقبولاً عند بعض الناس.. يبدأ الأمر بتصنيفه خارج الجماعة، ثم التشكيك في دينه، وقد ينتهي بمنح الاعتداء عليه تبريراً أخلاقياً، عند هذه النقطة يصبح القاتل، في نظر نفسه، صاحب رسالة مقدسة!

أرى أن الاكتفاء بملاحقة المنفذين يترك جانباً أساسياً من المشكلة، العدالة مطلوبة، والعقوبة حق للمجتمع ولأسر الضحايا، غير أن القبض على مسلح لا يجيب عن سؤال تكوينه، علينا أن نبحث عمن علمه احتقار المختلف، وعن المنابر التي غذت يقينه، وعن المصالح التي تستفيد من تحويل الدين إلى سلطة مطلقة لدى البعض على البعض الآخر؟

في مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا مساحات تحتاج إلى مراجعة صريحة.. قد يحفظ الطالب درساً عن التسامح، ثم يسمع من معلمه كلاماً يحط من أتباع دين أو مذهب آخر، وقد يتعلم احترام القانون، ثم يرى الاحتفاء بمن يهدد كاتباً أو يكفر فناناً، هذه التناقضات تفرغ التربية من معناها، وتمنح التعصب فرصة للنمو تحت غطاء الحرص على الثوابت. وللإعلام مسؤولية تتجاوز نقل صور الضحايا..

استضافة محرف للكلام في برنامج يقال إنه ديني، ينشر تهمة الخروج عن الدين بسبب شكل أو ملبس، يسهم في توسيع دائرة الأذى..

وكذلك المنصات الرقمية التي تجعل الاتهام في فضائنا سهلاً، وتدفع أصوات الاعتدال إلى الدفاع الدائم عن نفسها، المطلوب معايير مهنية واضحة، تميز بين مناقشة الأفكار، والتحريض على أصحابها، وتحاسب على الدعوة إلى العنف.

نحتاج إلى دراسات ميدانية جادة، تشارك فيها الجامعات لفهم طرق التجنيد ومصادر التمويل، وأثر التعليم والعلاقات الاجتماعية، لا يكفي أن ننسب التطرف إلى الجهل، فقد يحمله متعلم، وقد ينظمه صاحب مصلحة، يعرف تماماً ما يفعل، كما أن ضيق العيش لا يحول صاحبه إلى قاتل، التشخيص المتعجل يريحنا من مسؤولية الفهم، ويؤجل العلاج.

معرفة الجذور لا تعني إعفاء المجرم من مسؤوليته، ولا اتهام التدين في ذاته.. إنها تقتضي حماية حرية الاعتقاد، وتدريب المعلمين على إدارة الاختلاف، ومراجعة المواد التي تخلط بين الإيمان واحتقار الناس..

وتقتضي أيضاً إتاحة المجال لمن ينتقد الموروث غير المنسجم مع العصر دون تخوين، ومساندة الأسر التي تلاحظ انجراف أبنائها نحو جماعات التحريض، قبل أن يصبح الصمت مشاركة في الخطر.

الشجاعة المطلوبة أن نسأل عما نسمح بمروره كل يوم علينا من الشاشة، وأن نراجع خطابنا قبل وقوع الفاجعة التالية. المواطنة ممارسة يتعلمها الإنسان، ويجد لها حماية في القانون في مؤسساتنا وفي حياتنا اليومية.. أما التعصب فينتشر عندما يجد تبريراً ومصلحة وصمتاً.