اقتحم الرصاص ذلك المشهد، وسقط تسعة أبرياء، وأصيب آخرون.. ثلاثة مسلحين قرروا أن لهم حق إنهاء حياة أناس لم يعرفوهم، وأن اجتماعهم للصلاة والعزاء سبب كافٍ لاستهدافهم.
لكن السؤال الذي يشغلني يتجاوز الإدانة: كيف يصل إنسان إلى الاعتقاد بأن قتل جاره المواطن يقربه إلى الله؟.. ومن لقّنه هذا الاعتقاد، ومن أتاح له أن يتحول إلى مشروع قاتل؟
كان صاحب «جمهورية باب الخان» صوتاً ناقداً للطائفية والنفوذ الإيراني.. وهي أقرب إلى سيرة مكان يضيق بعض أهله بالبعض الآخر، لم تعجب المتشددين، مقتله يظل شاهداً على الخطر الذي يواجه صاحب الرأي في بيئة يستقوي فيها المسلح على الكاتب، ويصبح الاختلاف مخاطرة شخصية.. وهي واحدة من عشرات قصص التصفية التي يقود إليها الفكر التكفيري!
استضافة محرف للكلام في برنامج يقال إنه ديني، ينشر تهمة الخروج عن الدين بسبب شكل أو ملبس، يسهم في توسيع دائرة الأذى..
وكذلك المنصات الرقمية التي تجعل الاتهام في فضائنا سهلاً، وتدفع أصوات الاعتدال إلى الدفاع الدائم عن نفسها، المطلوب معايير مهنية واضحة، تميز بين مناقشة الأفكار، والتحريض على أصحابها، وتحاسب على الدعوة إلى العنف.
نحتاج إلى دراسات ميدانية جادة، تشارك فيها الجامعات لفهم طرق التجنيد ومصادر التمويل، وأثر التعليم والعلاقات الاجتماعية، لا يكفي أن ننسب التطرف إلى الجهل، فقد يحمله متعلم، وقد ينظمه صاحب مصلحة، يعرف تماماً ما يفعل، كما أن ضيق العيش لا يحول صاحبه إلى قاتل، التشخيص المتعجل يريحنا من مسؤولية الفهم، ويؤجل العلاج.
وتقتضي أيضاً إتاحة المجال لمن ينتقد الموروث غير المنسجم مع العصر دون تخوين، ومساندة الأسر التي تلاحظ انجراف أبنائها نحو جماعات التحريض، قبل أن يصبح الصمت مشاركة في الخطر.
الشجاعة المطلوبة أن نسأل عما نسمح بمروره كل يوم علينا من الشاشة، وأن نراجع خطابنا قبل وقوع الفاجعة التالية. المواطنة ممارسة يتعلمها الإنسان، ويجد لها حماية في القانون في مؤسساتنا وفي حياتنا اليومية.. أما التعصب فينتشر عندما يجد تبريراً ومصلحة وصمتاً.
