اختار سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن يتغزل بالإمارات كما يتغزل الشاعر العاشق بمحبوبته، وليست هذي القصيدة الجديدة وحدها، بل قد أكثر من التغزل بوطنه في قصائده، وتشهد إنجازاته العظيمة على صدق هذه المحبة وما صاحبها من إخلاص وتفانٍ.
بدأ سموه بوصف جمالها وما يتركه في نفوس الناظرين، ثم كشف عن اسمها في البيت السادس، ومضى إلى الاعتزاز بعزتها والوفاء لأخيه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. وقد استوقفتني في القصيدة صور وألفاظ تصل مباشرة إلى قلوب أهل الإمارات وتاريخهم.
يقول سموه:
قـــال واو لــي يـطـالع فـالـصور
كـيـف مــن شـافـها جـهار ونـهار
بدأ الشاعر بلفظة «واو» التي قد تسبق الإنسان إلى لسانه حين يفاجئه الجمال، ويخيل إليّ أني أسمع زائراً يرى صور دبي وأنوارها لأول مرة، فلا يجد إلا هذه الكلمة تعبيراً عن دهشته فقال «واو».
ولـ«واو» شواهد إسكتلندية قديمة، ويسجل معجم ميريام وبستر أول استعمال معروف لها سنة 1513م. وفي العربية ما يقارب هذا الانفعال؛ فقد ذكر لسان العرب وغيره من المعاجم «واها لهذا»، بمعنى «ما أحسنه»، ونقول في الابتهاج أيضاً:
«وا فرحتاه»؛ ولهذا أرى أن أسلوب التعجب بهذا الصوت قديم في العربية، وله شواهده السابقة للتاريخ المذكور في المعجم الإنجليزي.
ثم يأتي السؤال: إذا كانت الصور قد أحدثت هذه الدهشة، فكيف بمن يرى صاحبة الجمال أمامه «جهار ونهار»؟، وفي اللفظتين تأكيد للمشاهدة وجرس لطيف يفتح باب الغزل.
ويمضي في وصفها:
حـسـنها الـرابـع سـماوي مـاظهر
من سناها الشمس مقهوره وتغار
تلتقي «سماوي» و«سناها» و«الشمس» في صورة يغمرها الضوء؛ والسنا هو الضياء. وقد جعل الشاعر الشمس نفسها طرفاً في المفاضلة، تغار من إشراق محبوبته. وفي «تغار» شعور إنساني يبعث الحركة في الصورة؛ فكأننا نشاهد منافسة في البهاء بين نورين، وقد حكم قلب المحب لصاحبة القصيدة بالغلبة.
ثم يقول سموه:
لـــو يـلاقـيـها الــذي قـلـبه حـجـر
ذاب شــوق ودونـما جـنحان طـار
ما أجمل هذا التدرج: قلب كالحجر، ثم ذوبان من الشوق، ثم طيران بغير جناحين! لقد حمل الشاعر النفس من الصلابة والثقل إلى اللين والخفة، وجعل اللقاء كافياً لتغيير حال صاحب القلب الحجري، حتى يصبح الشوق نفسه قوة تحمله وتطلقه.
ويذكرني هذا بقول الشاعر القديم:
أسربَ القطا هل من يعيرُ جناحهُ
لعلي إلى من قد هويتُ أطيرُ
فالأول يتمنى جناحاً يبلغه محبوبته، أما سموه فجعل المحب للإمارات يطير بغير جناحين من أثر اللقاء وشدة العشق، وهذي أبلغ وأدق في وصف حالة العاشق الولهان.
ثم يقول سموه:
حــكــيـهـا يــاكــنـهـا تــنــثـر درر
تـسـحر الـسـمع ومـحـبيها كـثـار
بعد العين يأتي السمع، وبعد جمال المرأى عذوبة الحديث. والحكي حديثها، وقد صوره الشاعر درراً تتناثر؛ لكل كلمة قيمتها، وللحديث كله رونقه. ويلفتني فعل «تنثر»، بما يوحي به من سهولة وسعة، فكأن هذا الجمال يفيض منها بطبيعته، ويغدو أثرها مشتركاً بين الذين يرونها والذين يسمعون حديثها.
ثم يتقدم صوت المحب:
وانـا مـنها فـي هـواها فـي خطر
ابـتدى عـشقي لـها وحـنا صـغار
هذا البيت من أقرب أبيات القصيدة إلى نفسي؛ فالمحبة بدأت منذ الطفولة وكبرت معه. وقد نشأ سموه في كنف والده باني دبي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وعرف الأرض وأهلها قبل أن تبلغ الإمارات ما نراه اليوم من تقدم وازدهار، ثم شارك في بنائها ونهضتها منذ أكثر من خمسين سنة برؤية قل نظيرها وبإنجازات لا يمكن مجاراتها.
وفي قوله «وحنا صغار» ألفة تعيدنا إلى البيت الأول والأهل وأيام النشأة. وهنا يظهر الفرق بين دهشة من يرى الإمارات في صورها الجميلة، ومحبة من صحبها منذ الصغر وعمل من أجلها طيلة حياته.
المحبوبة هي الإمارات
ويأتي البيت السادس ليكشف اسم المحبوبة:
هـي الإمـارات الغاليه أخت القمر
دانـــة الــغـواص مــن لــجً غــزار
هي الإمارات إذن؛ وبمعرفتها يعود القارئ إلى الأبيات السابقة، فيرى الحسن حسن الوطن، والهوى تعلقاً به، ومحبة الصغر صحبة للأرض والأهل. وتمنح «هي» في أول البيت هذا الكشف وضوحه، بعد أن تركنا الشاعر نتتبع أوصاف محبوبته ونتشوق إلى معرفة اسمها.
ومن لطائف البناء أن هذا البيت يتوسط القصيدة؛ تسبقه خمسة أبيات وتتلوه خمسة، فكأن اسم الإمارات استقر في قلبها كما استقرت محبتها في قلب شاعرها.
ثم لنتأمل «أخت القمر» و«دانة الغواص»؛ فقد جمع سموه علو السماء وعمق البحر، والنور الذي نرفع إليه أبصارنا والجوهرة التي يغوص الإنسان في طلبها. والدانة من اللؤلؤ الكبير، وإضافتها إلى الغواص تستحضر مع النفاسة رجل البحر وكدحه.
وهنا تتصل الدانة بالدرر التي نثرتها المحبوبة في حديثها؛ فكلامها لؤلؤ، وهي نفسها دانة، فتتآلف الصور ويتصل الغزل بذاكرة البيئة.
ثم يقول سموه:
من شرب ماها يحس انه انسحر
مــن هـواهـا الـشفى مـبروكه دار
بعد الرؤية والسماع يأتي الماء والهواء، فتملك هذه الدار المباركة قلب من عاش فيها وشرب من مائها، ويجد المحب في هوائها البركة والشفاء.
واستوقفتني لفظة «هواها»؛ فقد جاءت بمعنى العشق في قوله «في هواها في خطر»، ثم عادت هنا بمعنى الهواء الذي يستشعر فيه البركة والشفاء. وهكذا يلتقي التعلق بالمحبوبة بالإحساس بالمكان، وتجتمع شدة الوله وراحة القرب.
من جمال الوطن إلى عزته
ثم يتابع سموه:
اسـمـهـا بـنـت الـمـلوك ومــا قــدر
حــدً يـغـلبها ولـهـا تــاج افـتـخار
هي «أخت القمر» في بهائها، و«بنت الملوك» في عزتها، ولها تاج من الافتخار. وهنا يتسع الغزل ليحمل الفخر؛ فالمحبوبة ذات حسن ومكانة ومنعة، ويقترن الإعجاب بجمالها بالثقة في قوتها. ويهيئ هذا التاج لما يأتي من ذكر الدفاع عن الدار وصون كرامتها.
ثم يقول سموه:
حاول السولجر والأسطول انكسر
وعـلى المعادي شبت التفجان نار
تستدعي لفظة «السولجر» الحرب التي يسميها أهلها حرب السولجر soldier في دبي أواخر ديسمبر سنة 1910م، وما حفظته الوثائق من أخبارها وشهادات أهل دبي بشأنها.
وقد تكبدت القوة البريطانية خسائر في القتلى والجرحى، وانتقدت حكومة الهند البريطانية قرار قائد الإنزال، ودعت في برقيتها المؤرخة في 2 يناير 1911م إلى استعادة العلاقات الودية، وطمأنة أهل دبي إلى استقلالهم وحقهم في امتلاك السلاح.
وأما «التفجان» فهي البنادق، ومفردها «التفق» في لهجتنا، وقد اختلف في أصل اللفظة، ولكنها مشهورة بهذا اللفظ، ويلفظ المفرد بالجيم القاهرية واستبدل القاف جيماً في الجمع فقيل «التفجان»، وهي مفردة قديمة عند أهل الجزيرة.
ويلفتني الإيجاز بين «حاول» و«انكسر»؛ إذ جمع محاولة المعتدي ومآلها في شطر، ثم ملأ الشطر الآخر بالحركة والنار. وفي «على المعادي» تحديد لوجهة القوة في مقام الدفاع عن الوطن، فتأتي الشجاعة متصلة بحماية الدار التي أحبها الشاعر ووصف جمالها.
ثم يقول سموه:
وعـهد اخـوي ازل عـهود لـمن ذكر
والـرجال اللي عيونهم تلفظ شرار
تتقدم صورة القيادة والرجال، وتبلغ الحماسة قوتها في «عيونهم تلفظ شرار»؛ فكأن النظرات تعلن ما في النفوس من عزم قبل النطق. وتتصل الصورة بنار البنادق في البيت السابق، فتجتمع قوة العدة وقوة العزيمة.
وأرى صلة جميلة بين «تنثر درر» و«تلفظ شرار»؛ ففي مقام المحبة يفيض الحديث بالنفيس، وفي مقام حماية الوطن تتكلم العيون بالحزم.
بهذا يحسن الشاعر الكبير الانتقال بين الرقة والشدة، وتبقى محبة الإمارات حاضرة في الحالين.
الأخوة ووحدة المسار
ويختم سموه بقوله:
وانـــا ويـــاه عــلـى نـفـس الأثــر
وانـا وبـوخالد عـلى نـفس الـمسار
تأتي كنية «بوخالد»، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بما تحمله من مودة وقرب، ويثبت تكرار «وانا» و«على نفس» معنى المشاركة والوفاء. وفي الجمع بين «الأثر» و«المسار» استمرار لنهج تتصل به الخطى، وطريق يمضي فيه الأخوان معاً.
وهذا المعنى متصل بقول سموه في قصيدة أخرى:
أنــا أخــوهْ الـموالي كـانْ حـربْ وسـلمْ
إنْ كـانْ سـاحَةْ سياسِهْ أوْ ثَرىَ ميدانْ
وهو معنى الأخوة والمساندة الذي سبق أن وقفت عنده في قراءة تلك القصيدة، ويعود هنا لتجتمع محبة الدار ووحدة القيادة.
ومن جمال الخاتمة أنها تصل «وأنا منها في هواها في خطر» بـ«وانا وبوخالد على نفس المسار»؛ فالصوت الذي اعترف بمحبة الوطن هو الذي يعلن العزم على صونه والدفاع عنه.
ولعمري إن اختيار «المسار» آخر كلمة في القصيدة يترك النفس أمام طريق ممتد، تتصل فيه محبة الصغر بالعمل والوفاء والإخاء والإنجاز.
حفظ الله شاعر هذي القصيدة الرائعة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وأخاه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وحفظ الله دولة الأمجاد والتاريخ العريق؛ دولة الإمارات الغالية، أخت القمر ودانة الغواص، وأدام عليها نعمة هذه المحبة، وهذا الوفاء، وهذه القيادة التي يجتمع لها جمال القول وعزم المسير وعظمة الإنجازات.. اللهم آمين.
