قراءة في القصيدة
في رائعةٍ شعريّة تليق بمجد الإمارات، أطلّ علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بقصيدة شعرية تقْطُرُ رقّة وعذوبة، وتفيضُ مجداً وفخراً عبّر فيها عن الحضور العميق لدولة الإمارات في الوجدان الإنساني عامة وفي وجدانه الشخصي على وجه الخصوص.
حيث أبدع سموه في رسم هذه اللوحة العاطفية بألفاظٍ في غاية الرقة والوضوح والاعتزاز بهذه الدولة التي منحها من عمره ستين عاماً في سبيل بناء مجدها والارتقاء بإنسانها، ونقش اسمه على صخرة القادة العظام الذين يَهبُون أعمارهم لأوطانهم، ويبذلون أقصى جهدٍ في سبيل أن تظل هذه الدولة في المكانة العالية التي أرادها المؤسسون الأوائل الذين راهنوا على الإنسان كأعظم ثروةٍ تصونُ مجد البلاد وتواصلُ مسيرة التقدم والبناء والإنجاز.
قال واو لي يطالع فالصور
كيف من شافها جهار ونهار
حسنها الرابع سماوي ماظهر
من سناها الشمس مقهوره وتغار
بهذا المقطع اللطيف الشريف يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هذه القصيدة الفائقة الجمال، حيث رصد ملامح الدهشة والتعجب التي تعلو وجه الإنسان حين يُشاهد صورة الإمارات في الصور ويُطالع جمالها الأخاذ، ليؤكد سموه هذه الروعة الجمالية بقوله:
فكيف لو شاهدها هذا المتعجب في وضح النهار، وتذوق جمالها جهاراً وليس من وراء حجاب الأسرار، فهو بلا شك سيكون أكثر تعجُّبا واندهاشاً بهذه الدولة التي بلغت في جمالها آفاق السماء، بل وزادت في جمالها على الشمس التي هي معيار الجمال حتى دبت الغيرة في قلبها، وأصابها القهر في وجدانها، وهذا تشخيص في غاية الروعة والجمال، حيث جعل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من الشمس كائناً حياً يحس بجمال الأشياء ويستشعر الغيرة والقهر حين يرى لحظة التفوق والجمال الأخاذ.
لو يلاقيها الذي قلبه حجر
ذاب شوق ودونما جنحان طار
حكيها ياكنها تنثر درر
تسحر السمع ومحبيها كثار
تقوم هذه القصيدة الجميلة في جوهرها على أسلوبٍ بلاغي بديع يسميه النقاد أسلوب الإيغال، وهو البلوغ بالصفة إلى أعلى مراتبها، وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يجعل القلب المتحجر الذي لا يحركه شيء يقف عاجزاً أمام جاذبية الإمارات، فيذوب شوقاً لها ويطير اشتياقاً إليها حتى ولو كان بلا أجنحة، فإذا سمع كلامها كان في سمعه كالدُّر المنثور ووقع في دائرة سحرها وانخرط في صفوف عُشاقها ومحبّيها الكثيرين الذين لا يُحصيهم العد، ولقد ذكرني هذا البيت الجميل من شعر سموه بكلمةٍ جميلة لإمام البلاغة العربية أبي عثمان الجاحظ، رحمه الله، حين وصف بلاغة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، فقال: نظرتُ في كتب هؤلاء النَّبَغة الذين نبغوا في العلم، فلم أرَ أحسن تأليفاً من المطّلبي، كأنّ لسانه ينثُرُ الدُّرّ.
وانا منها في هواها في خطر
ابتدى عشقي لها وحنا صغار
هي الإمارات الغاليه أخت القمر
دانة الغواص من لجً غزار
في هذا المقطع تبدأ قصة العشق الخاصة التي تربط بين الإمارات وقلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يخاف على قلبه من خطر هذا العشق لأن للحب سطوة على قلوب العُشاق كما هو معروف فكيف إذا كان هذا العشقُ راسخاً منذ الطفولة المبكرة، وقديماً قال الشاعر العاشق قيس بن الملوّح:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلباً خالياً فتمكّنا
وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وهو الشاعر المتمرِّسُ بفنون الشعر يستلهِمُ ذلك الموقف القديم الأصيل لكنه يجعله في سبيل وطنه الأعز والأغلى على قلبه والذي يفتديه بدمه وروحه، فهي الإمارات الغالية العزيزة التي تؤاخي القمر في بهائها وجمالها وارتفاع مكانتها، وهي دانة الغوّاص وجوهرة البحر الثمينة التي تختبئ في أعماق البحار لكن عُشّاقها يتحملون كل الصعوبات من أجل الفوز بها والظفر بحبها.
من شرب ماها يحس انه انسحر
من هواها الشفى مبروكه دار
اسمها بنت الملوك وما قدر
حدً يغلبها ولها تاج افتخار
ويواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا البوح الغزلي الرقيق وهو يفتخر بمعشوقته الإمارات فيؤكد أن مجرد الشرب من مائها له فعل السحر في نفس كل شارب، وأن من تنسّم هواءها العليل فقد أتاه الشفاء من كل داء فهي دار مباركة، وهي بين الدول بنت الملوك التي لم يستطع أحد أن يتغلب عليها فظلت ترفُلُ بثوب العز والفخار ويعلوها تاج المجد والوقار.
حاول السولجر والأسطول انكسر
وعلى المعادي شبت التفجان نار
وعهد اخوي ازل عهود لمن ذكر
والرجال اللي عيونهم تلفظ شرار
وانا وياه على نفس الأثر
وانا وبوخالد على نفس المسار
ثم كانت هذه الخاتمة البديعة التي اختتم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه القصيدة الرائعة، حيث استعاد من ذاكرة الماضي محاولات الجنود والأساطيل إرغام الإمارات وكسر عنفوانها لكن بسالة أهلها صبّت عليهم النار من بنادقهم الأصيلة «التفجان» وجعلتهم يُلملمون أذيال الخيبة والفشل، وعلى هذا العهد ما زال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وجميع فرسان الوطن الذين يتطاير الشَّرَرُ من عيونهم حين يُرادُ الوطن بالأذى، وأمام هؤلاء جميعاً قائدُهم الباسل الشجاع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يُعاضده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، ويسير معه في نفس المسار، ذلك المسار المجيد الذي خط طريقه المؤسسان الكبيران المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، ورجال تلك المرحلة ليظل أمانة في أعناق عُشاق الإمارات التي تستحق كل حُب وبذلٍ وإيثار، وسلام على وجهك الطيب يا شاعرَ هذا الوطن وعاشقه وكاتبَ قصته بأحرفٍ من جلالٍ ونور.