وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بلاده بأنها دولة كبيرة مجاورة، ضمن رده على التصريح والموقف الإماراتي الكندي بشأن الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران منذ العام 1971، بالنسبة لي إنكار السيادة والحقوق الإماراتية في جزرها المحتلة ليس بغريب على القيادة الإيرانية فهو موقف متكرر تعودنا عليه، لكن التطرق لحجم الدولة في سياق الحديث عن السيادة وحقوق حسن الجوار، يثير تساؤلات عدة حول الفكر القيادي والسياسي الإيراني مع دول الجوار.
نحن لا نختلف ولا نناقش أن إيران دولة كبيرة بمساحتها وبعدد سكانها وموقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية، هذه العناصر والمقومات الاستراتيجية ستجعل من إيران دولة إقليمية مؤثرة إيجابية، لو كان لديها قيادة سياسية حكيمة وواعية تركز على التنمية الداخلية، وحريصة على بناء علاقات سياسية ودبلوماسية قائمة على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة مع دول الجوار.
كون الدولة كبيرة بمساحتها، ليس بالضرورة أنها تملك قيادة تحسن التصرف والإدارة، كذلك الحجم لا يعطيها الحق أن تتجاوز على جيرانها وسيادتهم، فالنظام الدولي رغم ما يعانيه من اختلال وتراجع، إلا أنه قائم من الناحية القانونية على مبدأ واضح وصريح وهو المساواة في السيادة بين الدول، كما أن الدول لا تصنف ولا ترتب حسب حجمها ومساحتها.
الإشكالية التي تعاني منها إيران، أن النظام السياسي قائم على مشروع أيديولوجي يفتقد الواقعية السياسية، فتتداخل فيه الاعتبارات الشرعية الثورية والمصلحة الوطنية والأمنية للدولة.
فالمصلحة الأيديولوجية مقدمة على مصلحة الدولة والشعب، لأن الأيديولوجيا ليست مرجعية فكرية للنظام فقط، بل هي عنصر بنيوي في الشرعية السياسية، وإطار يحدد المصالح والتهديدات والتحالفات.
في اعتقادي أن النخبة الإيرانية واعية ومدركة لمصالح الدولة وليست غافلة عن التكاليف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تتسبب بها خياراتها وقراراتها.
لكن العمل في إطار منظومة هدفها المحافظة على النظام ومشروعه الأيديولوجي وإن تعارض مع المصالح الوطنية، هنا يتضح لنا أن الأزمة ليست غياب الإدراك السياسي، بل في ترتيب الأولويات، والقيود الأيديولوجية والمؤسسية لصنع القرار السياسي.
التاريخ أثبت لنا أن المشروعات الأيديولوجية تواجه صعوبة في المراجعة الاستراتيجية العميقة، حتى لو تغيرت البيئة المحيطة بها، لذا انتهت هذه المشروعات رغم قدرتها على المناورة المؤقتة والتكيف التكتيكي الذي لا يدوم طويلاً.
نحن لا ننكر أن السياسة الإيرانية تتحرك بدوافع عدة وليس الدافع الأيديولوجي فقط، فهناك اعتبارات أخرى كالتاريخ والجغرافيا والهواجس الأمنية والمنافسة الإقليمية، لكن المشكلة في إخضاع هذه الاعتبارات لمنظومة فكرية أيديولوجية يصعب من خلالها إجراء مراجعات وتقييمات لمصلحة الدولة والشعب.
كما أن بعض التصورات لدى النخبة الإيرانية تقع في خطأ عميق وهو الخلط بين قوة الدولة وهيبة النظام، وبين المكانة الإقليمية والقدرة على فرض النفوذ، فالمكانة الدولية لا تكتسب من المساحة الشاسعة ولا من العدد والكثافة السكانية، بل من حكمة قيادتها وحسن توظيف إمكانياتها وقدراتها، واستغلال موقعها ومواردها وعقول أبنائها لما فيه تحقيق المصلحة الوطنية.
وبالعودة إلى الموقف الإماراتي الواضح والسيادي الرافض للاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، ينبغي النظر له من زاوية الحقوق السيادية ومبادئ القانون الدولي والوسائل السلمية لتسوية النزاعات، كما يجب على الإيرانيين أن يعرفوا أن حسن الجوار لا يعني المطالبة بالتخلي عن الحقوق والسيادة.
على المسؤولين الإيرانيين عدم محاولة إثبات أن إيران دولة كبيرة، فالعالم يعلم ذلك والجغرافيا تثبت ذلك، ولا حاجة لتصريحات سياسية، ما تحتاجه إيران مراجعة حقيقية وعميقة لفكر النخبة السياسية، وتقديم المصالح الوطنية على الأيديولوجية، وعليهم الفهم والتفريق بين النفوذ المشروع والطموحات الأيديولوجية العابرة للحدود.
للأسف أزمات إيران كثيرة ومتعددة، فهي تمتلك القوة لكنها تعاني من أزمة في توجيه القوة، ولا تعاني من عجز في مقومات المكانة الدولية، لكنها تعاني من عجز في فكر قيادتها السياسية التي لا تستطيع التخلص من القيود الفكرية ومشروعها الأيديولوجي.
على إيران أن تعي جيداً أن الدول لا تقاس عظمتها بتدخلاتها في دول الجوار ولا تهديدها ولا الاعتداء عليها، بل على قدرتها في بناء الشراكات مع الجيران والتعاون معهم لمصلحة المنطقة والإقليم، ونحن نعلم أن الحجم يعطي ثقلاً جغرافياً، لكنه لا يمنح حكمة سياسية.
