للذكاء الاصطناعي وجهان.. وهذا وجهه المضيء

نفهم من التقرير الصحافي الذي نشرته صحيفة «هلسنكي تايمز» الفنلندية، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الأطفال والشباب في فنلندا، في تزايد يوماً بعد يوم.

فهذا ما تقول به استطلاعات الرأي هناك، وهذا ما تقوله دارسات واستقصاءات قامت بها مؤسسة الأطفال الفنلندية.

ولكن الموضوع له خلفية لا بد أن نراها، لأنه مرتبط في ما يظهر بمستوى التعليم المتاح في البلاد، وبما يحصل عليه التلميذ أو الطالب الفنلندي من خدمة تعليمية جيدة.

نقرأ فيما نشرته الصحيفة أن نسبة التلاميذ الذي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في السنة الرابعة من التعليم الابتدائي تصل إلى 71 %؜، وأن النسبة تصل بالنسبة للطلاب من سن 17 سنة وأقل قليلاً إلى 78 %؜، وأن النسبتين في تزايد مستمر لا يتوقف.

السؤال هو كالتالي: في أي شيء بالضبط يستخدم التلاميذ والطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة التي تقدمها هلسنكي تايمز، من خلال تقريرها المنشور، أنهم يستخدمونها في الحصول على المعلومات، وفي إجراء المحادثات الشخصية، وفي أداء الواجبات المدرسية، وفي غيرها طبعاً من المجالات.

ولكن هذه المجالات الثلاثة هي تحديداً التي نقلتها الصحيفة الفنلندية، أخذاً من دراسات جرت، واستطلاعات رأي تمت، وجهود علمية بذلها المختصون في القضية.

هنا، ومن خلال هذه المعلومات على وجه التحديد، نستطيع أن نرى شيئين اثنين في موضوع الذكاء الاصطناعي، الذي لا يكاد يمر يوم إلا ونطالع فيه الجديد، وإلا ونقرأ في بعض جوانبه ما قد يخيفنا أكثر مما يُطمئننا.

الشيء الأول أن تزايد استخدام التلاميذ والطلاب الفنلنديين له علاقة لا بد بمستوى التعليم الفنلندي، والذي يوصف في الكثير من الأبحاث والدراسات بأنه الأعلى في العالم.

فكثيراً ما جاءت فنلندا على رأس الدول التي تبلغ فيها الخدمة التعليمية مستوىً من الجودة لا تبلغه في بقية الدول، وكثيراً ما كان التعليم الفنلندي هو مضرب الأمثال عند الحديث عن التعليم عالمياً، وعن مستوياته، وعن تنافس الدول في مجالاته.

ويتصل بهذا الشيء الأول بالتأكيد، ما تحظى به فنلندا بين دول العالم، كلما جاء موعد إعلان ترتيب الدول في مؤشر السعادة كل سنة.

فمما نعرفه طوال تسع سنوات متتالية، أن الفنلنديين كانوا على رأس المؤشر بلا منافس، وكان ذلك مما لفت الانتباه، ولا يزال، وكان ذلك أيضاً مما استوقف كثيرين حول العالم، ثم كان ذلك مما أطلق السؤال عن سببه، وعما يجعل المواطن الفنلندي أكثر سعادة مثلاً من المواطن النرويجي أو السويدي؟

فالدول الثلاث تقع في أقصى شمال القارة الأوربية، وتجمع الدول الثلاث رابطة تسمى الدول الإسكندنافية، أي أن مسمىً واحداً يضمها في إطار، فلماذا لا تجمعها السعادة لدى مواطنيها كإطار كذلك؟

اختلفت التفسيرات والتأويلات والتخمينات، ولكنها اتفقت على أن التعليم الذي يتلقاه المواطن الفنلندي، ولا يتلقاه المواطن النرويجي أو السويدي بالمستوى ذاته من الجودة، هو لا شك السبب، ولا سبب سواه نعرفه.

هذا في مجمله هو الشيء الأول الذي يمكن أن نراه في قضية الذكاء الاصطناعي، أو بمعنى أدق، في ما نطالعه عنها بالنسبة للتلاميذ والطلاب الفنلنديين، ومدى تزايد استخداماتهم لأدوات هذا الذكاء في حياة كل واحد فيهم وفي دراسته.

أما الشيء الثاني، فهو الوجه الآخر لقضية الذكاء الاصطناعي، وهو وجه يخيف أكثر مما يُطمئن، وقد رأينا ذلك في قصة الباحث الإنجليزي الذي استقال قبل أسابيع من شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي.

وكانت استقالته احتجاجاً على أن التطوير في مجال هذا الذكاء يمكن إذا مضى بوتيرته الحالية، أن يؤدي إلى القضاء على البشرية بنهاية هذا العقد من هذا القرن!

قرأنا هذا، وقرأنا شيئاً شبيهاً به على لسان بيل غيتس، الذي قال هو الآخر إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقضي على حياة مليار من البشر!..

فإذا وضعنا ما قاله الباحث المستقيل، وما قاله غيتس أمام استخدامات الذكاء نفسه لدى تلاميذ وطلاب فنلندا، اتضح لنا أن للذكاء الاصطناعي وجهين، وأن للعالم أن يختار، وأن يميل عند اختياره إلى حيث مالت حكومة فنلندا بتلاميذها وطلابها، أو أن للذكاء الاصطناعي وجهين كالقمر.. أحدهما مظلم والآخر مضيء.