منذ أكثر من خمسة عشر عاماً وأنا حاضر في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، عاصرت خلالها أحداثاً غيّرت وجه منطقتنا، وشاهدت كيف تحولت المنصات الرقمية من ساحات للنقاش وتبادل الآراء إلى جزء أساسي من الصراع السياسي والفكري والإعلامي، وكيف أصبحت الكلمة والصورة والمقطع القصير أحياناً أكثر تأثيراً من خطاب سياسي طويل.
مررنا بمرحلة ما سُمي بـ«الربيع العربي»، وشهدنا صعود «جماعة الإخوان»، ثم أحداث سوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى الصراعات الإقليمية والحرب مع إيران.
خمسة عشر عاماً كانت كافية لكي نتعلم الكثير، وربما كان أهم ما تعلّمناه أن المعركة ليست دائماً مع دولة بعينها أو ميليشيا محددة، وإنما قد تكون في جوهرها مواجهة مع فكر متطرف يتنقل بين الدول والتنظيمات والميليشيات والمنابر الإعلامية والمنصات الرقمية.
تتغير الأسماء والوجوه والشعارات، لكن خطاب التحريض والكراهية والتطرف يبقى واحداً في جوهره. وفي كل مرحلة يعيد هذا الخطاب تقديم نفسه بصورة مختلفة، مستفيداً من الأحداث والأزمات، ومحاولاً استقطاب جيل جديد بأدوات جديدة.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم ساحات هذه المواجهة. فالإشاعة التي كانت تحتاج في الماضي إلى أيام حتى تنتشر، يمكن اليوم أن تصل إلى ملايين البشر خلال ساعات، والمعلومة المضللة قد تُصنع في غرفة صغيرة ثم تتحول إلى قضية رأي عام تتداولها حسابات ومنصات ووسائل إعلام.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الإعلام، ستصبح الصورة أكثر تعقيداً. سنرى صوراً ومقاطع وأصواتاً يصعب على الإنسان العادي التمييز بينها وبين الحقيقة، وستصبح صناعة التضليل أسرع وأرخص وأكثر قدرة على الانتشار.
لذلك فإن معركة المستقبل لن تكون فقط معركة امتلاك المعلومة، وإنما امتلاك الوعي الذي يستطيع فحصها وفهمها ووضعها في سياقها الصحيح. لكن السنوات الماضية علّمتنا درساً آخر أكثر أهمية: الوعي يتطور.
اليوم لم يعد الجمهور يتلقى كل ما يشاهده على وسائل التواصل باعتباره حقيقة. أصبح هناك جيل أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، يمتلك أدوات البحث والمقارنة والتحقق، ويستطيع أن يميز بدرجة أكبر بين الخبر والمعلومة المضللة، وبين النقد المشروع وحملات التحريض المنظمة.
وأعتقد أن هذه النقطة تحديداً هي التي تجعلني متفائلاً بالمستقبل. فالأفكار المتطرفة تستطيع أن تصنع صراخاً عالياً، وقد تستطيع أن تحشد جمهوراً لفترة من الزمن، لكنها تواجه في النهاية اختباراً لا تستطيع الهروب منه: ماذا قدمت للإنسان؟
الدول لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بما تبنيه على الأرض. بمدارسها وجامعاتها ومستشفياتها واقتصادها وفرص العمل التي توفرها لشبابها، وبقدرتها على منح الإنسان الأمن والكرامة والأمل في غد أفضل.
وقد تتغير المعارك، وتتغير المنصات، وتتغير أدوات الدعاية، وتظهر أجيال جديدة لا تعرف شيئاً عن المعارك التي خضناها قبل خمسة عشر عاماً، لكن الحقيقة التي ستبقى هي أن الشعوب في النهاية تريد أن تعيش، وأن تتعلم، وأن تعمل، وأن ترى أبناءها في مستقبل أفضل.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تكن يوماً بين شعوب المنطقة، بل بين مشروع يبني الإنسان وفكر يهدمه. لكن أثر البناء أبقى. والمستقبل، في النهاية، لمن يبني لا لمن يهدم.
