من الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد

كان الصراع في العالم يتمحور حول السيطرة على مناطق جغرافية، حيث تمثّل الهدف الاستراتيجي لهذا السعي في الحصول على مواد أولية أو مواقع استراتيجية، تدافع منها الدول عن مكتسبات أو حدود معينة، أو ممرات مهمة لنشاطاتها الاقتصادية.

إن التوسع الاستعماري الأوروبي منذ القرن الخامس عشر -بما عُرف بعصر الكشوفات الجغرافية- لم تكن تسميته صحيحة؛ فلم يكتشف الأوروبيون القارتين الأمريكيتين لأنهما كانتا موجودتين منذ الأزل، ولم يكتشفوا بقية بقاع العالم التي كانت موجودة بالفعل، بغض النظر عن وعي أي قوم بهذه المناطق الجغرافية.

لقد كان ذلك التوسع مدفوعاً بالبحث عن مواد خام وأخرى أصبحت من ضرورات الحياة في أوروبا، كما كان الذهب مراماً استراتيجياً كبيراً بالنسبة للأوروبيين؛ إذ كانت قوة الدول تُقاس بمقدار ما تمتلكه من ذهب يموّل الحروب من أجل التوسع والسيطرة على بلدان العالم.

وإلى وقت قريب خلال الحرب الباردة، كان همّ واشنطن هو منع الاتحاد السوفييتي من التوسع الجغرافي، فدخلت في حروب مباشرة أو بالوكالة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لمنع هذا التمدد.

كان الاعتقاد السائد أن سقوط فيتنام في أحضان الشيوعيين -وقبلها كوريا- سيفتح المجال للسيطرة على جنوب شرق آسيا.

وإذا ما سيطر الشيوعيون على هذه المناطق الهائلة فسيصيبون العالم بأكمله بالتبعية؛ لأن آسيا هي قلب العالم، وتحتوي على ثروات وعدد مهول من السكان يشكّلون سوقاً ضخمة لمن يسيطر عليها. وإذا ما تحقق كل هذا، لأصبحت القوى الشيوعية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، «أسياد العالم».

أما الهاجس الجيوسياسي الآخر الذي سيطر على الاستراتيجيين الأمريكيين فكان أوروبا؛ ماذا لو توسع حلف وارسو -المكون من السوفييت والدول الشيوعية في أوروبا الشرقية؟

فلم يكن يهم إن كان التوسع عسكرياً أو فكرياً عبر أحزاب متعاطفة مع السوفييت، إذ سيمنح ذلك التوسع الكتلة الشيوعية مساحة جغرافية شاسعة فحسب، بل والقدرة أيضاً على الحصول على تكنولوجيات متقدمة، إضافة إلى كل المنافع التي ستتبع ذلك من قوى بشرية مدربة تدريباً عالياً، ودول متقدمة علمياً.

ثم انهار الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشرقية، ولم تعد الشيوعية البديل للرأسمالية والليبرالية السياسية، وشهد العالم فورة في الدمقرطة والسعي إلى كسب ود واشنطن التي أصبحت القوة الوحيدة بلا منافس.

خرجت الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة ومن حرب تحرير الكويت، منتشية بنصرها المؤزر، ووصل إلى الحكم رئيس ليبرالي هو «بيل كلينتون»، الذي رأى العالم بعدسة مختلفة بعد انتهاء الحرب الباردة.

كان شعار كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 1992: «إنه الاقتصاد يا غبي». وفعلاً، انتصرت الرؤية الاقتصادية على الرؤية الجيوسياسية للرئيس جورج بوش الأب، الذي انتصر في الحرب الباردة وفي العراق، لكنه انهزم أمام شاب قادم من ولاية أركنساس الهامشية.

كان حدس كلينتون في محله؛ فالعالم يتجه إلى الانفتاح الاقتصادي، والولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، مع بداية العولمة وثورة الإنترنت، فكان لا بد لواشنطن أن تغتنم الفرصة، وهكذا فعلت.

فعند انتخاب كلينتون، كانت حصة الاقتصاد الأمريكي تمثل 25.75% من الاقتصاد العالمي، ومع نهاية حقبته في عام 2001 بلغ الاقتصاد الأمريكي 31.36% من حجم الاقتصاد العالمي.

لكن الولايات المتحدة أضاعت تلك المكتسبات، ودخلت في حروب استنزافية كبيرة تحت رئاسة جورج بوش الابن، ومع خروج بوش الابن من الحكم عام 2008، حلّت بأمريكا أكبر أزمة مالية منذ الكساد العظيم.

الآن، لم يعد الصراع جيوسياسياً أو جيواقتصادياً فحسب، بل أصبح «جيوتكنولوجياً»؛ فمن يمتلك ناصية التكنولوجيا الحديثة - المتمثلة في الذكاء الاصطناعي - يمتلك ناصية العالم.

إن التنافس اليوم يحتدم على المواد الأرضية النادرة وعلى المعرفة التقنية في هذا المجال؛ فمساحات الأرض مهمة والاقتصاد مهم، ولكن وجودهما دون تكنولوجيا حديثة كمن يمتلك عربات كثيرة دون محركات.

يقول الاقتصادي اليوناني «يانيس فاروفاكيس» إن عهد الرأسمالية قد انتهى، وإن عصراً جديداً لـ«الإقطاعية التكنولوجية» قد بدأ.

وهذه التطورات داخل الدول الكبرى سيكون لها انعكاس هائل على السياسة الدولية، حيث بدأ الحديث فعلياً عن إمبراطوريتين للذكاء الاصطناعي: الولايات المتحدة والصين.

وقد صدق الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني حين قال:

فظيعٌ جهلُ ما يجري.. وأفظعُ منهُ أن تدري!