قد تبدأ القراءة كهواية، ثم تتحول إلى شغف، فإذا نمت حتى أصبحت حاجة يومية كالطعام والشراب، فإنها تصبح ركناً من كيان الإنسان وتكوينه، بها يحيا ويعيش.
لذلك أعتقد أن مبادرة تحدي القراءة العربي، من دون أن ترفع هذا الشعار أو تعلنه، تسعى إلى جعل القراءة حاجة لا غنى عنها في حياة الإنسان، بعد أن شاع عنا نحن العرب أننا أمة لا تقرأ، حتى أصبحت هذه المقولة صورة نمطية راسخة في الأذهان.
وقد آن الأوان لتغييرها عبر برامج ومبادرات ومحفزات، مثل تحدي القراءة العربي الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ضمن مبادرات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم العالمية. ولعلها، كما أرى، واحدة من أهم المبادرات الحضارية التي تستهدف الإنسان العربي، إلى جانب مبادرة صناع الأمل.
ويشهد النمو الذي حققته المبادرة على مدى عشر دورات على اتساع حضورها وتأثيرها. فمنذ انطلاقها عام 2015، ارتفع عدد المشاركين من 3.6 ملايين طالب وطالبة في دورتها الأولى إلى أكثر من 40 مليوناً في دورتها العاشرة، يمثلون 60 دولة وأكثر من 138 ألف مدرسة.
وهي أرقام كبيرة لمشروع يقوم أساساً على تشجيع الطلاب على قراءة خمسين كتاباً خلال العام الدراسي، ومناقشة ما قرأوه وفهموه.
واليوم الخميس، تحتفل دبي بتتويج أبطال الدورة العاشرة، لكن القيمة الأهم لهذا المشروع تتجاوز أسماء الفائزين والجوائز إلى ما يمكن أن يتركه من تأثير في حياة ملايين الأطفال والشباب.
فالقراءة ليست مجرد وسيلة للحصول على المعلومات، بل هي إحدى أهم أدوات الإنسان لفهم نفسه والعالم من حوله. أن تقرأ يعني أن تعيش أكثر من حياة، وأن تتجاوز حدود تجربتك الشخصية إلى تجارب الآخرين، وأن ترى العالم بعيون لم تكن عيونك.
يستطيع الإنسان أن يسافر إلى بلدان كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يعيش كل الأزمنة أو يعرف كل البشر. والكتاب يمنحه شيئاً من هذه القدرة، فيأخذه إلى عوالم لم يزرها، وأزمنة لم يعشها، وعقول ربما لم يكن ليلتقي بها.
وأن تقرأ يعني أيضاً أن تتطور. فالمعرفة لا تنشأ من فراغ، وإنما تتراكم عبر الأجيال، وما وصلت إليه البشرية من علوم واكتشافات وأفكار هو ثمرة عقول قرأت ما أنجزه السابقون، ثم أضافت إليه أو صححته أو تجاوزته.
وليس القارئ الجيد من يحفظ ما يقرأ، بل من يتعلم أن يسأل ويناقش ويشك ويفكر، وألا يقبل كل ما يقدم إليه باعتباره حقيقة نهائية. فالقراءة الحقيقية لا تملأ العقل بالمعلومات وحدها، بل تدربه على استخدامها والتمييز بينها.
وأن تقرأ يعني أن تتحضر. فالحضارة ليست مباني شاهقة أو طرقاً واسعة أو تقنيات متقدمة فحسب، وإنما هي أيضاً مستوى الوعي الذي يبلغه الإنسان، وقدرته على فهم المختلف عنه واحترام حقه في الاختلاف.
والأدب، على وجه الخصوص، يتيح لنا أن نقترب من حياة الآخرين، وأن نفهم آلامهم وأحلامهم ومخاوفهم. وقد لا تجعل القراءة الإنسان أكثر تسامحاً بالضرورة، لكنها تمنحه فرصة لأن يرى أن العالم أوسع من أفكاره وتجاربه وأحكامه المسبقة.
ولم يكن احتفاء الأدباء والمفكرين بالقراءة أمراً عابراً. فقد قال المتنبي: «وخير جليس في الزمان كتاب»، وهي عبارة تختصر علاقة الإنسان بالكتاب بوصفه رفيقاً لا تنتهي صحبته بانتهاء اللقاء.
أما الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون فقال: «القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمناقشة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً». وبين الشاعر العربي والفيلسوف الإنجليزي قرون من الزمن، لكنهما يلتقيان عند إدراك قيمة الكتاب في حياة الإنسان.
ولعل ما يزيد أهمية القراءة اليوم أننا نعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، حتى أصبح الوصول إليها أسهل من التأمل فيها.
تقدم لنا الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي إجابات سريعة عن أسئلة كثيرة، لكنها لا تمنحنا بالضرورة القدرة على التفكير العميق أو إصدار الأحكام السليمة.
وربما أصبحت حاجتنا إلى القراءة المتأنية اليوم أكبر من أي وقت مضى، ليس لأن المعلومات نادرة، بل لأنها وفيرة إلى حد يجعل التمييز بين المعرفة والضجيج أكثر صعوبة.
من هنا، فإن القيمة الحقيقية لتحدي القراءة العربي لا تكمن في عدد الكتب التي يقرؤها الطلاب خلال المسابقة، ولا في الملايين الذين يشاركون فيها، على أهمية هذه الأرقام، بل في قدرته على أن يجعل القراءة عادة تستمر بعد انتهاء المنافسة.
فما نتمناه ليس أن يقرأ الطالب خمسين كتاباً من أجل الفوز بجائزة، ثم ينصرف عن الكتاب، وإنما أن يكتشف خلال هذه التجربة متعة القراءة، فيصبح الكتاب جزءاً من حياته، يعود إليه باختياره، لا بتكليف من معلم أو رغبة في الفوز.
وحين يتحقق ذلك، تكون المبادرة قد تجاوزت حدود المسابقة الثقافية، وأسهمت في بناء أجيال تقرأ وتفكر وتسأل، وتملك أدوات المشاركة في صناعة مستقبلها. فالأمم لا تتقدم بما تعرفه اليوم وحده، بل بقدرتها على مواصلة التعلم وإنتاج المعرفة غداً.
ولعل النجاح الأكبر لتحدي القراءة العربي لن يكون في عدد المشاركين أو الكتب التي قرأوها، ولا حتى في أسماء الفائزين الذين سيصعدون إلى منصة التكريم، وإنما في أولئك الذين سيواصلون القراءة بعد أن تُطوى صفحة المسابقة، ويصبح الكتاب رفيقاً لهم في رحلة الحياة. فالجائزة تحتفي بمن قرأ، أما الإنجاز الحقيقي فهو أن نربي أجيالاً لا تتوقف عن القراءة.