الفنانة الراحلة «عفيفة إسكندر إصطفيان» الشهيرة بـ«عفيفة إسكندر»، والملقبة بـ«شحرورة العراق» اسم خالد عند العراقيين، وفي سيرتها حكايات ربما لم يطلع عليها الكثيرون. فهذه المولودة بالموصل سنة 1921 من أب عراقي أرمني مسيحي وأم يونانية مثقفة تدعى «ماريكا ديمتري»، وتعزف على أربع آلات موسيقية.
وكانت تغني في ملهى الهلال الذي تأسس بمنطقة الميدان في باب المعظم ببغداد بعد احتلالها من قبل الإنجليز، نشأت في بيت فني وامتلكت صوتاً ساحراً ووجهاً جميلاً، فشجعها والداها على دخول عالم الغناء والفن منذ طفولتها، وهو ما دفعها إلى مسارح الغناء وهي في الثامنة.
وكانت بداياتها من ملهى صغير بمدينة أربيل في أواسط الثلاثينات، ووقتها أطلق عليها الجمهور اسم «جابرقلي» وهو مسدس سريع الطلقات، لأنها كانت تؤدي آنذاك أغاني سريعة كطلقات المسدس.
بعد ذلك نضج صوتها، وراحت تغني المونولوجات باللغات العربية والإنجليزية والتركية والألمانية والفرنسية، وكذلك المقامات العراقية على مسارح الملاهي والأندية الشهيرة في بغداد، وتأقلمت مع أجواء الفن، وزاد جمهورها من مختلف الطبقات، فكان من بينهم الوزراء والنواب وكبار المسؤولين.
بلغت شهرتها القصور الملكية، فصارت المغنية الأولى بالعصر الملكي، وصار كبار مسؤولي الدولة يطلبون ودّها ويطربون لصوتها ويحضرون حفلاتها. فالملك فيصل الأول كان من المعجبين بصوتها. وكذا رئيس الوزراء نوري السعيد المعروف بولعه بالمقامات البغدادية.
كما عشق فنها واحترم موهبتها الزعيم عبدالكريم قاسم. أما الرئيس العراقي الثاني عبدالسلام عارف فقد حاربها وضيّق عليها الخناق، واتهمها بنصرة خصومه الشيوعيين، بحسب قولها. هذا علماً أنها لم تغنّ لأي من قادة البلاد الملكيين أو الجمهوريين، عدا الملك فيصل الثاني، واقتصرت أغانيها الوطنية على الغناء للعراق وجيشه.
وهكذا تسبب الرئيس عارف في عزلتها، فلم تغنّ في عهده أو عهد أخيه عبدالرحمن، ولا في عهد صدام حسين، لكنها آثرت البقاء في العراق على الرغم من طلبات انهالت عليها بالخروج من العراق. في سن الثانية عشرة تزوجت موسيقياً عراقياً أرمنياً في الخمسين من عمره يدعى «إسكندر إصطفيان»، ومنه أخذت اسمها الثاني والثالث، لكنها لم تنجب منه فتبنت في شبابها طفلة تدعى «أنطوانيت» من دار أيتام الراهبات في الموصل.
في عام 1938 سافرت إلى مصر، وعملت هناك لمدة طويلة مع فرقتي بديعة مصابني وتحية كاريوكا، ومثلت وغنت في فيلم «يوم سعيد» من إخراج محمد كريم وبطولة محمد عبدالوهاب وفاتن حمامة (حذف المخرج مشهد غنائها لاحقاً بسبب طول الفيلم، فلم يرها الجمهور)، ثم ظهرت في فيلم «القاهرة بغداد» لأحمد بدرخان.
وفي فيلم «ليلى في العراق» لأحمد كامل مرسي. وفي مصر تعرفت أيضاً على الأديب إبراهيم المازني والشاعر إبراهيم ناجي، فكان ذلك من أسباب اهتمامها بالأدب والشعر، بدليل أنها، بعد عودتها إلى العراق من مصر، أنشأت داخل مسكنها الأنيق بمنطقة المسبح في الكرادة ببغداد صالوناً أدبياً، كان كبار رجالات السياسة والأدب والشعر والفن يجتمعون فيه أسبوعياً، وتدور بينهم النقاشات والمساجلات.
بلغ رصيدها من الأغاني نحو 1500 أغنية، لعل أشهرها «يا عاقد الحاجبين»، «يا سكري يا عسلي»، «أريد الله يبين حوبتي بيهم»، «قلب قلب»، «إلك يومين»، «دورت بغداد للموصل رحت»، «جوز عنهم»، «حرقت الروح»، «خلهم يقولون»، و«هلك منعوك»، وغيرها. وفي 22 أكتوبر 2012، توفيت ببغداد عن 91 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض.
لاحقاً صرحت «أم عيسى» القائمة على رعايتها أن عفيفة دفنت في المدافن الخاصة بعائلتها في مدينة بعقوبة، وذلك لعدم وجود أهل لها في بغداد ولا مقابر معروفة للعائلة، إضافة إلى أنها رحلت وهي لا تملك شيئاً بعدما فقدت كل شيء في شيخوختها.
ختاماً، سجلت مطربتنا اسمها في سجل الأوائل. فهي أول مطربة بغدادية تغني القصيدة في التلفزيون العراقي عند تأسيسه سنة 1956، وأول من غنت في الإذاعة عند تأسيسها سنة 1937، وأول من ظهرت صورتها من الفنانات عند بدء البث الملون لتلفزيون بغداد سنة 1976.

