المستقبل يبدأ برؤية

عندما أسس بيل غيتس وزميله شركة مايكروسوفت، عام 1975، وضعا رؤية طموحة أصبحت لاحقاً من أشهر العبارات في أدبيات الإدارة، وهي: «حاسوب على كل مكتب وفي كل منزل».

كانت الفكرة آنذاك ضرباً من الخيال، فقد كانت الحواسيب باهظة الثمن، وبعضها بحجم غرفة، ويقتصر استخدامها غالباً على المؤسسات الكبرى والجامعات.

وقد تحققت رؤية بيل غيتس فعلاً، بعدما تحولت إلى واقع. فقد ساهمت «مايكروسوفت» في تسهيل استخدام الحاسوب، بعدما كنا نتعامل معه عبر نظام «دوس» بإدخال الأوامر نصياً على شاشة سوداء، حتى أطلقت عام 1985 نظام «ويندوز» بواجهته ذات التصميم العصري ونوافذه الجميلة الملونة سهلة الاستخدام، فأصبح التعامل مع الحاسوب أسهل لغير المتخصصين.

وفي عالمنا العربي، برز الكويتي المبدع محمد الشارخ بمشروعه الرائد «صخر»، الذي أسهم في إدخال اللغة العربية إلى الحواسيب الشخصية، وفتح آفاقاً واسعة أمام المستخدمين العرب، في سابقة مهمة في تاريخ منطقتنا، لأنه كان يمتلك رؤية وهي خدمة اللغة العربية.

خلاصة الأمر أن الإنجاز بدأ برؤية. وهي صورة للمستقبل المنشود، ليست مجرد أمنية، بل صورة لما نتطلع إلى الوصول إليه.

ويُفترض في الرؤية أن تكون قصيرة وطموحة ومحفزة، يسهل على الجميع تذكرها وبذل ما بوسعهم لتحقيقها. لذلك تحتاج كل دولة ومؤسسة إلى رؤية تجمع شتات جهودنا وتوجهها في اتجاه واحد.

هناك فارق بين الرؤية والرسالة والاستراتيجية والأهداف؛ فالرؤية تجيب عن سؤال: «أين» نريد أن نكون مستقبلاً؟

أما الرسالة (Mission) فتشرح «ماذا» نفعل حالياً و«لمن» نوجه جهودنا، في حين تحدد الاستراتيجية «كيف» نصل إلى وجهتنا، والأهداف بطبيعة الحال تترجم تلك التوجهات إلى نتائج قابلة للقياس.

ومن دون هذا التناغم بين العناصر، قد تهدر المؤسسات والبلدان جهودها في إنجازات متفرقة لا تقود إلى غاية مشتركة.

ولا يعني وضوح الرؤية أن تظل جامدة مهما تغيرت الظروف. فقد تظهر تقنيات جديدة أو تحديات لم تكن بالحسبان، تستدعي مراجعة الوسائل والأولويات، من دون التخلي عن الغاية التي نسعى إليها.

لذلك نجد دولاً أعلنت عن رؤاها الوطنية لعقود مقبلة. فالرؤية لا تخبر المواطنين إلى أين تتجه بلادهم فحسب، بل تساعد الوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص على فهم أدوارهم في تحقيق المستقبل المنشود.

وحين يرى المستثمر جدية الدولة في تسهيل الأعمال وتذليل الصعوبات، كتبسيط إجراءات التراخيص والتأشيرات وتطوير البنية التحتية، في ظل اقتصاد متين وسياسة خارجية حكيمة، فإن ثقته تزداد وتتجه رؤوس الأموال إلى تلك الدولة.

هذا المناخ جاذب لكل طموح في إطلاق أفكاره أو المشاركة في صناعة مستقبل واعد يفخر أن يكون جزءاً منه.

ومن روعة الرؤية أنها تساعد متخذي القرارات على «رفض» كل ما لا يخدم مستقبل المؤسسة أو البلد. وهي مسألة مهمة، لأن كثيرين يضعون قوائم بالأهداف، لكنهم مع مغريات الحياة ينشغلون بأمور هامشية تحول دون مضيهم قدماً نحو التقدم المنشود.

ورغم كل ذلك، من الغريب أن ترى مؤسسة لا يعرف العاملون فيها رؤيتها، التي يجب أن تُعلق على الجدران ليراها الجميع يومياً.

فعدم معرفة الرؤية مؤشر على عدم الجدية في تطبيقها. فكيف لا يعرف الموظفون إلى أين يتجهون؟ مثل من يستقل مركبة لا يعلم وجهتها، فيضطر إلى النزول في محطة بعيدة، ولكن بعد فوات الأوان، ليعود أدراجه.

وليس بالضرورة أن يرى من أسهم في صياغة الرؤية ثمار جهوده، بل الأهم أن يجني ثمارها من يأتي بعده. وقد لا يدرك الناس قيمة صاحب الرؤية وبُعد نظره إلا بعد رحيله، حين تتجلى أمامهم ملامح المستقبل الذي استشرفه، ويبقى ما خطته يداه شاهداً على ما أراده لبلاده ومؤسسته. وكما قيل: «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر».