محمد بن راشد..رسالة تتجاوز حدود الزمن

منذ فجر الخليقة، ومنذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وتعاقبت رسالات الأنبياء والمرسلين حتى خاتمهم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، كانت للرسالة منزلة عظيمة في مسيرة الإنسانية؛ بها تُبلَّغ المبادئ، وتُرسَّخ القيم، وتُبنى الأمم، وتُصان ذاكرة الأجيال.

ولستُ هنا أعقد مقارنة بين الرسالات السماوية ورسائل البشر، فشتّان بين مقام الوحي الإلهي ومقام الخطاب الإنساني، وإنما أستحضر عظمة مفهوم الرسالة وأثرها الممتد عبر العصور؛ فليست كل رسالة كلمات تُكتب، ولا كل خطاب حديثاً ينتهي بانتهاء قراءته، بل ثمة رسائل تتجاوز زمنها، وتبقى شاهدة على مرحلة، ومرجعاً لأجيال لم تولد بعد.

وبين يديّ اليوم رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبناء الخليج العربي. رسالة توقفتُ عند سطورها طويلاً، لا لأقرأ ما كُتب فيها فحسب، بل أيضاً لأتأمل ما وراء الكلمات من رؤية قيادية حكيمة، وتاريخ ومسؤولية وذاكرة وطنية عميقة.

قرأتها، في المقام الأول، رسالة أب إلى أبنائه، يستحضر تاريخ المؤسِّسين، ويذكّرهم بأن نهضة الخليج واستقراره حصيلة عقود من الكفاح، صنعها رجال آمنوا بالمستقبل، وقيادات امتلكت الرؤية وشجاعة القرار، وشعوب حملت مشقّة البدايات وحوّلت التحديات إلى فرص؛ فما ورثناه من مجد ليس غايةً نكتفي بها، بل أمانة نحمل مسؤولية صونها والبناء عليها.

وهنا تتجلّى القيمة الأعمق للرسالة؛ فهي تستحضر إرث الأمس ليكون زاد الغد، وتذكّرنا بأن البناء مسيرة تتجدّد، وصون المنجز عِظمُ إنجازه. فما يجمع شعوب الخليج من تاريخ ودين ولغة ومصير، أرسخ من تقلّب الظروف، وأبقى من ضجيج الأصوات العابرة.

هنا أتوقّف قليلاً، لا لأمنح تلك الأصوات مقاماً، بل لأتأمّل المسافة بين الضجيج والأثر، وبين فكر يبني وصوت لا يتجاوز صداه؛ فما أكثر ما يملأ السمع ولا يجد له موضعاً في الذاكرة.

ولعل أعمق ما قرأته بين سطور رسالة سموه أن التاريخ، حين يهبنا جذوراً، يعهد إلينا بما لم يكتمل من أحلام أصحابه؛ فنحن نرث مع المنجز مسؤولية امتداده، ومع المجد سؤال الجدارة به.

وليس الوفاء للمؤسِّسين أن نُبقيهم في ماضٍ نحتفي به، بل أن نمنح رؤيتهم حياةً فيما نصنعه بعدهم؛ حتى إذا صرنا نحن أيضاً ذاكرةً، وجد أبناؤنا في أثرنا ما يعينهم على مواصلة الطريق. فليس عظيماً أن نكون أبناء تاريخ عظيم فحسب، بل أن نكون جديرين بأن نصبح جزءاً من عظمته.

حفظ الله خليجنا العربي، وقياداته وشعوبه، وأدام عليه نعمة الأمن والوحدة والازدهار، وجعل ما ينتظر أبناءه من مستقبل أعظم بكثير مما تحقق من إنجازات مبهرة في الماضي القريب والبعيد.

وفي الختام، يا سامع الأصوات، هل أصغيتَ إلى صمتي؟ فما كل صوت يُسمَع، وفي الروح أصوات دفينة لا يبلغها إلّا الإصغاء.