الجمال حين لا يحمي الأوطان

ليس من السهل أن تزور سريلانكا دون أن تقع في غرام طبيعتها، أو أن تتساءل كيف استطاع بلد يمتلك كل هذا الجمال أن يعيش سنوات طويلة من الصراعات الدامية، التي مزقت نسيجه الاجتماعي، وأهدرت الكثير من موارده، وحرمت أبناءه من الاستمتاع بما أنعم به الخالق عليهم من خيرات، وما وهبهم من أسباب الحياة الكريمة.

في سريلانكا تجد نفسك أمام لوحة طبيعية يصعب وصفها، جبال تكسوها الخضرة، وغابات تمتد على مد البصر، وشلالات تتدفق من المرتفعات، ومزارع شاي ترسم على سفوح الجبال خطوطاً بديعة، وبحيرات وأنهار وشواطئ، تجعل من الجزيرة متحفاً مفتوحاً للجمال.

وفوق ذلك كله، شعب تبدو على وجوه كثير من أبنائه البساطة والطيبة، ويستقبل زائريه بابتسامات تشعرك بأنك بين أناس تعرفهم منذ زمن.

لكن وراء هذا الجمال حكاية أخرى، أقل إشراقاً وأكثر إيلاماً. حكاية بلد لم يستطع، في مرحلة من تاريخه، أن يجعل من تنوعه العرقي والديني مصدر قوة، فتحوّل هذا التنوع إلى وقود لصراع طويل، دفع ثمنه الجميع، ولم يخرج منه أحد منتصراً بالمعنى الإنساني الحقيقي.

كان الصراع في جوهره عرقياً وسياسياً، لكنه تداخل مع الانتماءات الدينية، حيث يشكل السنهاليون البوذيون أغلبية السكان، بينما ينتمي معظم التاميل إلى الديانة الهندوسية، إلى جانب أقليات مسلمة ومسيحية.

المأساة لم تبدأ فجأة، وإنما تراكمت أسبابها منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1948، حين شعرت قطاعات من الأقليات بالتهميش، خصوصاً بعد اعتماد اللغة السنهالية لغة رسمية وحيدة عام 1956، وما تبع ذلك من خلافات حول الحقوق والتمثيل السياسي والهوية الوطنية.

ومع مرور الوقت، تحولت المطالب السياسية إلى مواجهات، ثم إلى حرب أكلت الأخضر واليابس، وخلّفت عشرات الآلاف من القتلى، وأعداداً هائلة من النازحين، وجروحاً لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الوطنية.

وحين انتهت الحرب عام 2009، لم تكن سريلانكا قد خسرت أرواحاً وممتلكات فقط، وإنما سنوات طويلة من فرص التنمية والاستثمار والاستقرار، كان يمكن أن تجعل منها واحدة من أكثر دول المنطقة ازدهاراً، بالنظر إلى ما تمتلكه من مقومات طبيعية وبشرية وسياحية.

وأنا أتجول بين مدن سريلانكا وقراها، وأرى مزارع الشاي التي اشتهرت بها عالمياً، والمنتجعات التي تستقبل السياح، والطرق التي تشق الجبال، والأسواق التي تعج بالحركة، تساءلت:

ماذا لو أن هذه الجزيرة الجميلة لم تعرف تلك الحروب؟ ماذا لو أن أبناءها أدركوا مبكراً أن اختلاف اللغة والدين والأصل لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للعداء؟ كم مدرسة ومستشفى وطريقاً ومشروعاً كان يمكن أن يُبنى بدلاً من شراء السلاح؟ وكم أسرة كان يمكن أن تعيش آمنة مطمئنة، بدلاً من أن تفقد أبناءها وبيوتها ومستقبلها؟

ليست سريلانكا وحدها التي دفعت ثمن تحويل الاختلاف إلى خلاف، والخلاف إلى صراع. فالتاريخ الحديث مليء بدول امتلكت من الثروات والمقومات ما يكفي لإسعاد شعوبها، لكنها أهدرت ذلك كله في حروب أهلية وصراعات مذهبية وعرقية، لم تجلب سوى الفقر والدمار والكراهية. المشكلة أن إشعال هذه الصراعات قد يحتاج إلى قرار متهور أو خطاب تحريضي، بينما تحتاج معالجة آثارها إلى أجيال من العمل والصبر والمصالحة.

انتهاء الحرب لا يعني أن أسبابها قد زالت تماماً، فبناء السلام أصعب أحياناً من إيقاف القتال. السلام الحقيقي لا يتحقق بصمت البنادق وحده، وإنما بإقامة العدل، وصون كرامة الإنسان، وضمان حقوق المواطنين جميعاً، مهما اختلفت أصولهم ولغاتهم ومعتقداتهم. فالوطن الذي يشعر فيه بعض أبنائه بأنهم غرباء، لن يستطيع أن ينعم باستقرار راسخ، مهما بلغت قوة مؤسساته.

جمال الطبيعة وحده لا يصنع سعادة الشعوب، والثروات لا تكفي لصناعة الأوطان المزدهرة، إذا لم تصاحبها حكمة سياسية، وعدالة اجتماعية، وثقافة تسامح تجعل التنوع مصدر غنىً، لا سبباً للفرقة.

وما استشففته خلال زيارتي لسريلانكا، هو أن شعبها يسعى إلى طي صفحات الألم، ليستثمر ما حبا الله بلده من جمال، كي تصبح وطناً آمناً يوفر لمواطنيه العيش الكريم، ولزائريه المتعة والطمأنينة اللتين ينشدونهما.

ما أقسى أن تكون الأرض جنة، بينما يحوّلها صراع البشر إلى ساحة للأحزان. وما أجمل أن يتعلم الإنسان أن الأوطان لا تُبنى بانتصار فئة على أخرى، وإنما بانتصار الجميع للحياة.