الصين وعملية إعادة التوازن لاقتصادها

نموذج التنمية الذي بدأته الصين بعد حقبة ماو تسي تونغ، والذي أسهم في تحويل البلاد إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قام على دعائم منها:

استثمارات مرتفعة، مع استهلاك ضعيف (بقصد زيادة الادخار)، وسياسة تصنيع. أما ما أسهم في نجاح النموذج وتحقيق البلاد صعوداً سريعاً ومستداماً في الناتج المحلي الإجمالي ومستويات المعيشة، فهو وجود علاقة تشاركية وثيقة بين الدولة ورجال الأعمال، وسياسات صناعية موجهة نحو قطاعات معينة تمثل قيمة مضافة عالية، وتمويل من خلال معدلات ادخار مرتفعة وأجور مقيدة.

غير أن هذا النموذج التنموي الصيني واجه العديد من العثرات والتباطؤ بسبب ظروف داخلية وخارجية معاً، فعوامل مثل جائحة كورونا، وتبعات انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وأزمة الرهن العقاري الصينية، واختلالات سلاسل التوريد العالمية، وغيرها أدت في نهاية المطاف إلى أن تعتمد الصين حالياً في نموها على عامل التصدير الكثيف والتحديث الصناعي، ولا سيما لجهة زيادة صادراتها ومبيعاتها من المنتجات التي يعتمد عليها اقتصاد كوريا الجنوبية مثل الأجهزة الإلكترونية والمركبات والهواتف وأشباه الموصلات والبتروكيماويات. وهذا ــ بطبيعة الحال ــ خلق مشكلة للاقتصاد الكوري الجنوبي على المديين القصير والمتوسط.

وهذه المشكلة أو التحدي الذي تواجهه التكتلات الصناعية الكورية، لن يستمر طويلاً بحسب بعض الخبراء مثل الباحث والاقتصادي والمحاضر الأمريكي بجامعة شنغهاي الصينية، أنتوني وليام أناستاسي.

فالأخير يرى أن ما تواجهه كوريا الجنوبية اليوم، ليس سوى مرحلة انتقالية سوف تنتهي عاجلاً أو آجلاً، حينما تنجح الصين في إعادة توازن اقتصادها نحو الاستهلاك. فحينئذ سوف تستفيد كوريا الجنوبية من العملية، تعويلاً على حقيقة أن الصين تمثل سوقاً استهلاكياً ضخماً قوامه أكثر من مليار مستهلك.

والحقيقة أن الصين تعمل اليوم جدياً لإصلاح ما يعتري اقتصادها من خلل هيكلي، بدليل أن زعيمها «شي جينبينغ» وضع تنشيط الاستهلاك المحلي على رأس أولوياته في عام 2026، وهو ما سمح لـ«جمعية الصين المعاصرة» أن تقوم مؤخراً بتنظيم سلسلة ندوات تحت عنوان «عام إعادة التوازن» لمناقشة مدى إمكانية تعزيز الصين للاستهلاك بشكل واقعي، مع الاستمرار في الوقت نفسه في التركيز المكثف على النمو القائم على الاستثمار في التصنيع والتصدير.

وكان من الطبيعي أن تتشعب النقاشات حول هذا الموضوع إلى مسائل مثل: عما إذا كان ضعف الطلب الاستهلاكي للأسر الصينية ناجماً عن عوامل دورية أم هيكلية، وعما إذا كان الاستهلاك مقيداً بانخفاض الدخل أم بتراجع توقعات الثروة (في أعقاب الركود الذي أصاب القطاع العقاري)، ناهيك عن موضوع السياسات والخطوات الواجب اتخاذها لدعم وتحفيز الاستهلاك على المدى القريب.

وفي هذا السياق، يرى الاقتصادي الهولندي والخبير في الشؤون الاقتصادية الآسيوية «بيرت هوفمان» أن ما يميز المرحلة الصينية الراهنة هو الحجم، بمعنى أن الصين أصبحت اليوم أكثر ثراء بكثير مما كانت عليه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبالتالي فإن اختلال التوازن بين الاستهلاك والاستثمار أو بين الطلب المحلي والخارجي في الصين باتت له تداعيات محلية وعالمية أوسع نطاقاً من ذي قبل.

ويضيف هوفمان قائلاً: «في مراحل سابقة حققت الصين تقدماً جيداً في عملية إعادة التوازن، ففي أعقاب الأزمة المالية العالمية أدت حزم التحفيز واسعة النطاق إلى تعزيز الطلب المحلي وتقليص الفوائض الخارجية.

غير أن تلك الحقبة انتهت بانهيار سوق العقارات؛ ففي العقد الذي سبق تطبيق سياسة (الخطوط الحمراء الثلاثة) المتعلقة بكبح الاقتراض غير المنضبط، كان أكثر من 60% من مدخرات الأسر توجه نحو شراء العقارات، وهو ما كان يمثل وقتذاك نشاطاً اقتصادياً حقيقياً وجزءاً من الطلب المحلي.

وبعد انهيار سوق العقارات تلاشى هذا الطلب، وشهد استهلاك الأسر وإجمالي الطلب المحلي حالة من الركود، بل والتراجع. ونتيجة لذلك أصبح ضعف الطلب المحلي يمثل القضية المحورية في جهود الصين لاستعادة التوازن».

إلى ما سبق، يرى هوفمان أن ضعف الطلب الاستهلاكي في الصين ناجم عن عوامل دورية وهيكلية في آن. ويشرح ذلك بقوله أنه على المدى القصير ينجم الضعف عن تباطؤ نمو الدخل، أو انعدام الأمان الوظيفي، أو تدني ثقة المستهلك، أما على المدى الطويل فإن نموذج النمو القائم على الاستثمار المكثف يعد غير مستدام، ما يستوجب تحول الاقتصاد نحو الاستهلاك.

لكن ماذا تقول آخر الإحصائيات؟

سجلت مبيعات التجزئة في 2026 أول انخفاض لها منذ عام 2022، بينما تراجع الاستثمار بنسبة 4.1%. أما الصادرات فقد ارتفعت بنسبة 19%، وسجل الفائض التجاري رقماً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار في 2025. كما قفزت الواردات بنسبة 27% مدفوعة بارتفاع الطلب على أشباه الموصلات. وعليه يمكن القول إن الصين لا تزال تعتمد على نموذج يقوده الاستثمار فيما يبقى الاستهلاك الحلقة الأضعف.