اعتدنا أن ترتبط كلمة «يونيكورن» (Unicorn) بالشركات الناشئة التي تتجاوز قيمتها التقديرية مليار دولار. لكن ماذا لو انتقل المفهوم من عالم الشركات إلى الحكومات؟ وماذا لو لم يعد المليار دولار معيار النجاح، بل مليار من الأثر؟
ربما نحتاج اليوم إلى مفهوم جديد: «اليونيكورن الحكومي» (Government Unicorn)، ليس بوصفه قيمة مالية لمؤسسة حكومية، بل نموذج لقيادة استثنائية تحقق قفزات نوعية، وتكسر الحواجز التقليدية، وتحول الأفكار إلى إنجازات قابلة للتوسع عالمياً.
وإذا كانت الشركات الناشئة تسعى إلى النمو المتسارع (Scaling)، فإن اليونيكورن الحكومي يسعى إلى الأثر المتسارع (Scaling Impact).
وهنا تبرز تجربة دبي؛ مدينة لم تكتفِ باحتضان الشركات سريعة النمو، بل طورت ثقافة حكومية تتبنى الطموح والسرعة والابتكار وتصفير البيروقراطية. إنها فلسفة «دبي الأفعال» (Dubai-it): لا يكفي أن تعلن ما ستفعله؛ بل عليك أن تنجزه، وتقيس أثره، ثم ترفع سقف الطموح.
ولعل تجربة معالي المهندس مروان أحمد بن غليطة تقدم نموذجاً يستحق التأمل.
في دائرة الأراضي والأملاك بدبي، ارتبط اسمه بمرحلة توسع عقاري لافت؛ ففي عام 2023 سُجلت 1.6 مليون معاملة، وتجاوزت قيمة التصرفات العقارية 634 مليار درهم. ثم جاءت استراتيجية القطاع العقاري 2033 لترسم مستقبلاً يرتكز على الابتكار والذكاء الاصطناعي والخدمات الاستباقية.
وفي مايو 2025، تولى قيادة بلدية دبي، منتقلاً من إدارة منظومة عقارية عالمية إلى مؤسسة تصنع ملامح المدينة وجودة الحياة والتخطيط الحضري.
ثم جاء تعيينه في أكتوبر 2026 رئيساً لمجلس إدارة سلطة دبي الإنسانية، لتمتد رحلته القيادية عبر ثلاثة عوالم مختلفة: العقار، والمدينة، والعمل الإنساني العالمي.
وجاء تكريمه بـ«وسام محمد بن راشد للقيادة» خلال ملتقى محمد بن راشد، الذي جمع ألف قائد حكومي، ليضيف بُعداً آخر لهذه التجربة.
لكن اليونيكورن الحكومي ليس مسؤولاً تتعدد مناصبه، ولا مؤسسة تتضخم ميزانيتها، إنه القدرة على نقل النجاح من قطاع إلى آخر، وتحويل الخبرة إلى أثر يتجاوز الحدود.
وهنا يمكن صياغة معادلة أولية:
طموح استثنائي + سرعة تنفيذ + ابتكار + تصفير البيروقراطية + قابلية للتوسع + أثر قابل للقياس = يونيكورن حكومي.
غير أن هذه المعادلة تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نقيس قيمة اليونيكورن الحكومي؟
ليس بعدد المشاريع أو حجم الإنفاق أو بريق الجوائز، بل بأسئلة أكثر عمقاً:
كم اختصر من وقت الناس؟ وكم ألغى من إجراءات؟ وكم حسّن جودة الحياة؟ وكم عزز تنافسية المدينة؟ وكم ابتكر من نماذج أصبحت مرجعاً عالمياً؟
فالإنجاز الحكومي الحقيقي لا يُقاس بضخامة ما نُديره، بل بحجم ما نُغيّره.
وربما تكون دبي قد فعلتها مرة أخرى؛ أخذت مفهوماً من اقتصاد الشركات، وأعادت تخيله ضمن فلسفة مختلفة «اقتصاد الأثر الحكومي».
فاليونيكورن القادم قد لا يكون شركة بمليار دولار، بل مؤسسة تختصر سنوات في أشهر، أو مشروع يبدأ محلياً ويصبح نموذجاً عالمياً، أو قائد ينتقل من تطوير مؤسسة إلى إعادة تصميم قطاع، ومن صناعة مدينة إلى التأثير في منظومة إنسانية عالمية.
وعندها لن نسأل: كم تبلغ قيمة هذا اليونيكورن؟
بل: كم تبلغ قيمة الأثر الذي صنعه؟
في القطاع الخاص نصنع شركات تتجاوز قيمتها المليار، وفي حكومات المستقبل نصنع أثراً تتجاوز قيمته المليار. وهذه، في جوهرها، فلسفة دبي الأفعال Dubai-it.
