قراءة في رسالة الشيخ محمد بن راشد

تأتي رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبناء الخليج في وقت نحتاج فيه إلى وضوح الفكرة بقدر حاجتنا إلى قوة الموقف..

وقد تم تداول هذه الرسالة على وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الخليج بشكل واسع ترحيباً بفكرتها، فالمنطقة تواجه استهدافاً عسكرياً خطيراً، تحدث أمين عام مجلس التعاون في اجتماع وزراء الخارجية الأخير في المنامة، عن نحو سبعة آلاف اعتداء إيراني بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج والأردن، طالت منشآت مدنية ومرافق حيوية.. وراء تلك الأرقام حياة بشر، ومصالح مجتمعات، وتجربة تنموية يريد أهلها أن تستمر.

أرى أن أهمية الرسالة تبدأ من إدراك سموه أن حماية الخليج تتجاوز مواجهة المقذوفات إلى حماية الوعي العام.. فالصاروخ يستهدف منشأة، والتحريض يستهدف الثقة بين الناس.. وقد تصلح المنشأة، لكن ترميم العلاقة بين المجتمعات يحتاج وقتاً وجهداً إذا تركت للأحقاد الصغيرة، ولمن يتاجر بالخلاف..

لذلك جاءت عبارة سموه عن الجغرافيا والتاريخ اللذين يجمعاننا، وساحات الإعلام التي يراد لها أن تفرقنا، في صميم المعركة الراهنة.

لقد عرفت مجتمعات الخليج بعضها قبل قيام مؤسساتها الحديثة.. تحرك الناس بين موانئها، وتبادلوا التجارة، وتصاهروا، وتقاسموا شظف العيش.. تلك حقائق اجتماعية يعرفها كل من قرأ تاريخ المنطقة، أو استمع إلى ذاكرة أسرته.. من هنا فإن تصوير العلاقة الخليجية وكأنها مصلحة طارئة بين حكومات، ينطوي على جهل بالتاريخ وبالناس معاً.

غير أن الرسالة لم تتوقف عند استدعاء الماضي.. وهذا في تقديري رؤية ثاقبة.. فقد ربطت ذلك الإرث بما أنجزه الإنسان الخليجي في التعليم والمؤسسات والاقتصاد والانفتاح على العالم.. النفط مورد مهم، ولكنه لا يبني جامعة وحده، ولا يدير ميناء، ولا يصنع إدارة ناجحة.. وراء التحول خيارات سياسية، وعمل متراكم، ورجال ذوو بصيرة، وإرادة نقلت مجتمعاتنا من ضيق الموارد إلى اتساع الفرص.. وحماية هذا المنجز مسؤولية تتجاوز حدود كل دولة.

وأعتقد أن أكثر ما يستحق التأمل هو وضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في احترام خصوصية التجارب الخليجية.. فهو لا يطلب إلغاء الاختلاف، ولا يقترح صب الجميع في قالب واحد.. يدعو إلى إدارة الاختلاف بحكمة وتقوية المؤسسات وتنسيق الجهود..

هذه لغة سياسية ناضجة، لأنها تنطلق من الواقع وتبحث عن تطويره.. وقد أضاعت مجتمعات عربية كثيرة فرصها عندما جعلت التطابق شرطاً للتعاون، ثم حولت كل تباين إلى خصومة.

لدينا في الخليج تجارب متنوعة، وتنافس مشروع على جذب الاستثمار وتحسين الخدمات وتطوير التعليم.. ذلك مصدر حيوية، متى بقي محكوماً بالمصلحة المشتركة.

المشكلة تبدأ عندما يحول بعض المتحمسين المنافسة إلى عداوة، أو يتوّهم أن الدفاع عن وطنه يقتضي الإساءة إلى وطن شقيق.. هنا تقع مسؤولية المثقف والإعلامي، فلا ينساق خلف حساب مجهول أو موتور، ولا يمنح شائعة مكانة الحقيقة، ولا يصبح بجهله أداة في مشروع يستهدف الجميع. وفي ظرف الاعتداءات الراهنة، تكتسب هذه المسؤولية وزناً مضاعفاً.

أمن الخليج مترابط، وتعطيل الموانئ والمطارات ومرافق الطاقة يطال أثره الجميع. ومن يراهن على عزل دولة خليجية عن جاراتها، إنما يراهن على تفكيك قدرة المنطقة على حماية مصالحها.

المطلوب وعي شعبي يساند التعاون الأمني والدفاعي، وعمل مؤسسي يجعل التضامن ممارسة يمكن قياسها، لهذا أقرأ رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، باعتبارها وثيقة تستحق أن تناقش في جامعاتنا ومنابرنا، وأن تتحول معانيها إلى سلوك يومي.. قيمتها التاريخية أنها تعيد تعريف تحديات المرحلة بشجاعة، نحمي ما بنيناه، ونعالج خلافاتنا بعقل، ونوسع مساحة المشترك.

سموه يتحدث من تجربة جمعت سبع إمارات، وأثبتت أن التعاون يستطيع أن يفتح آفاقاً تتجاوز حسابات البدايات.. تفاؤله بالخليج يستند إلى معرفة ويقين بما يستطيع أبناؤه إنجازه عندما تتقارب الإرادات..

والمطلوب أن نقرأ الرسالة بعين المسؤولية، فكل مواطن شريك في صون هذا البيت، وكل كلمة محسوبة قد تمنع شرخاً.. نحفظ الخليج بوعي أبنائه وتماسك دوله.